صفاء الحطاب قد يكون العنوان غريبا، لكنه يستمد غرابته من غرابة وفوضى المعلومات حول التاريخالقديم بتفاصيله وتفسيراته وقراءته، وما يبنى عليها من بحوث ونتائج. يعرف التاريخ القديم بأنه التاريخ الذي بدأ مع تطور أنظمة الكتابة في الحضاراتالمبكرة في بلاد ما بين النهرين، ومصر القديمة، ووادي السند، والصين القديمة. ويمتدعبر الزمن الممتد من حوالي 3000 قبل الميلاد إلى 500 للميلاد، ويتضمن تاريخالإمبراطوريات الكبرى مثل الإغريق، والرومان، والفرس، وشهد ظهور الفلسفاتالكلاسيكية، والعلوم، والأديان. ويتداخل تعريف «العصور الكلاسيكية القديمة» مع «التاريخ القديم» لأنه يعنى بالفترةالتي ازدهرت خلالها حضارتا اليونان والرومان القديمتان وحتى منتصف الألفية الأولى،لكنه يبحث حصرا تاريخ منطقة البحر الأبيض المتوسط. ويدرس علماء الآثار التاريخ ببحثهم في البقايا الحسية والمادية التي أنشأها الإنسان،ويدرسه علماء الإنسانيات واللغويات ببحثهم في النصوص الأدبية والدينية والعلميةالتي أبدعها. وتقسم مصادر دراسة التاريخ إلى مصادر أولية سجلت بالقرب من الأحداث التي يتمسردها، وثانوية تم تسجيلها بعد الأحداث بوقت طويل؛ لذلك تروي النقوش والسجلاتالتي وثقتها أيدي أبناء الحضارات قبل آلاف السنين عن حياتهم وعلومهم وعباداتهم؛ودراسة ما تبقى من مدنهم؛ قصة مختلفة وأكثر دقة وعمقا وجمالا عما عرفناه عنهم! إن المرحلة الأولى من معرفتنا بتاريخ منطقتنا القديم بنيت على ما وصلنا وما عرفنا منروايات منقولة وأخبار لا يمكن التثبت منها مما سجله مؤرخو العصور القديمة،المرافقون لحملات الغزو اليوناني للمنطقة. وكان ذلك غالبا دون تثبت أو نسبة أو نقلللتفاصيل الوصفية والإنسانية بما يسمح للعلماء اليوم بدراسته والبناء عليه. ثم جاء بعدهم الرومان غزاة للمنطقة، فنقلوا عن اليونان علومهم، وأضافوا إليها،ونسبوا معظم ذلك التراكم الحضاري لأنفسهم. ولا يمكن هنا أيضا التأكد من دقةالتفاصيل، والتواريخ المسجلة لتوثيق الأحداث، أو مدى انحياز الرومان. وقد قدم المؤرخان «هيروديت» و»آريانوس» وغيرهما وصفا ومعلومات محدودة عنحضارات الشرق القديم. وكانت هذه مصادرنا لفهم تاريخ العالم القديم بشكل عام،وتاريخ منطقتنا بشكل خاص. لقد ظهر أول فكر تأريخي منهجي في اليونان القديمة ابتداء من كتابات المؤرخهيرودوت 484ق.م، ووصل إلينا معظمه عن طريق حركة الترجمة النشطة في بغدادوالأندلس في أوج ازدهار الحضارة الإسلامية. وكامتداد طبيعي للخط الحضاريالإنساني؛ تمكن العلماء المسلمون من الاطلاع على بعض علوم الحضارات القديمة، ثمقاموا بتطوير بعض جوانب تلك العلوم والاختراعات والنظريات الرياضية والتطبيقاتالعملية. ومن المفارقة أن أول محاولة لفتح الهرم الأكبر في مصر، والعبور إلى داخله لكشفأسراره كانت في زمن الخليفة العباسي المأمون، بناء على نصوص يونانية مترجمةطرحت فرضية احتوائه على كنوز ومجوهرات. أما المرحلة الثانية والمهمة من اكتشاف التاريخ القديم لحضارات المنطقة فقد وصلتإلينا على أيدي البعثات الاستكشافية الاستعمارية الجديدة، والبحث العلمي الآثاريالذي قامت به. فقد توالت اكتشافاتهم لكنوز هائلة، ومدن كاملة، ونقوش تمكنالباحثون من دراستها والربط بين أجزائها للوصول إلى تصور متكامل، يتعارض مع الكثيرمما وصلنا سابقا عن ماضي المنطقة. لقد وفرت لنا هذه المرحلة تفسيرات لبعض ما تعذر فهمه من قبل، وقدمت تفاصيلعن علوم متطورة نقلت ونسبت لغير أصحابها. ومن الأمثلة الحضارة الآشورية،والحضارة المصرية القديمة، المغرقتان في القدم، فقد كان لكل منهما منهج علميتوثيقي في التأريخ. أما الأنباط كشعب من شعوب المنطقة فقد اكتشفنا التراكمالمعرفي والحضاري الذي عاشوه قبل ومع وصول اليونان. لقد تأكد لنا بالإثباتاتالمادية أن هذه الحضارات كانت في تطور حضاري وإنساني ومادي وعلمي وهندسيمدهش. ومن الأمثلة التي قد تكون نموذجا صارخا؛ نظرية فيثاغورس المعروفة. التي أثبتتالدراسات الآثارية للقى والنقوش الآشورية بأن تلك الحضارة عرفت هذه النظرية،وتوصل إليها علماؤها، ووضعوا قواعدها وتفاصيلها قبل فيثاغورس اليوناني بألف سنةتقريبا! ومع أن خط الحضارة الإنسانية متصل، إلا أنه من الضروري فتح باب التحقيق، إن جازالتعبير، في قضية التاريخ القديم. فالأدلة الجديدة تؤكد ضرورة إعادة تركيب قطع روايةالتاريخ القديم في سياق متكامل بناء على الاكتشافات الحديثة لمحاولة إعادة تشكيلالصورة وترتيب الخط الزمني للتراكمية الحضارية للمنطقة. إن كل من يحاول الولوج إلى عوالم الحضارات القديمة، يواجه معلومات متضاربة وغيرمنطقية. ويجد تناقضا بين ما تتناقله الكتب المعتمدة على مصادر التاريخ القديم،والمصادر التي تعتمد على نقوش تلك الحضارات وسجلاتها المحفوظة في المتاحفوالدراسات المرتبطة بها مباشرة. ونحن بحاجة أن يقوم المتخصصون ببذل الجهود للفصل بين الرواية القديمة ونتائجالدراسات البحثية الحديثة؛ لتكوين صورة واحدة متكاملة الجوانب عن جزئياتالحضارات القديمة حتى يمكننا فهمها ثم البناء عليها. #قصة_مكان_يرويها_الزمان Views:…