ذاكرة

أدوات ومراكز الرصد الجوي لدى الأنباط العرب

الباحث مأمون علي النوافلة

أدوات ومراكز الرصد الجوي لدى الأنباط العرب

أسهم الموقع الجغرافي لمدينة البترا بتمكين الأنباط من رصد الأحوال الجوية على امتداد المنطقة الجغرافية التي تقع عليها الدولة

النبطية، وذلك بسبب وقوع االبترا في منطقة متوسطة للملكة النبطية، وهي منطقة تتأثر بثلاثة مناخات مختلفة هي: مناخ البحر الأبيض

المتوسط، مناخ البحر الأحمر، والمناخ الصحراوي. ويعد هذا العلم بالغ الأهمية للمملكة النبطية بسبب شح الموارد المائية التي تغذي

دولتهم، والفضاء الجغرافي المحيط بهم.

فمعرفة الأنباط بالمنخفضات الجوية ومعرفة معدلات الهطول المطري وكمية المخزون المائي المتوّفرة في السدود والخزانات التي

شيّدوها في كافة أرجاء دولتهم كانت حاجة ملحة، حيث أن تلك المعرفة من شأنها أن تجعلهم قادرين على تحديد قيم الاستهلاك المحلي

مأمون النوافلة

وعلى تحديد أعداد وتعداد القوافل التجارية التي تسلك أراضيهم لضمان كفايتها على مدار العام.

كما مكّن الرصد الجوي الأنباط من التنبؤ بسرعة الرياح واتجاهاتها ووضع جداول زمنية لمواعيدها، مما ساعدهم في معرفة

مواعيد وصول القوافل التجارية القادمة عبر البحار والاستعداد لاستقبالها.

وفي مدينة البترا حرص الأنباط على جمع المياه وتخزينها بكل الطرق، كما حرصوا على حماية المواقع داخل عاصمتهم من

مخاطر الفيضانات والسيول الجارفة المنهمرة من أعالي جبال الشراه، حيث تندفع المياه المنهمرة بقوة باتجاه المدينة.

ولهذه الغاية أوجد الأنباط مركزاً للرصد الجوي في مدينة البترا، وهو عبارة عن مبنى يقع على الطريق إلى مدخل المدينة قبل

الوصول إلى منطقة السد (قبر المسلات)، وهو مكون من طابقين زين الطابق العلوي منه بأربعة ساعات شمسية (مسلات) يتوسطها في

منتصفها تمثال مهشم يشبه تمثال كوكبة العذراء النجمية، ويعتليها شعار الاتجاهات الأربعة والـ 360 درجة.

في القسم السفلي من المبنى توجد نقوش دالّة على التقويم السنوي، ومنها 12عامود لأشهر السنة، وأربعة نوافذ للفصول الأربعة،

كما تشير الأقواس في المنتصف إلى الأقواس الفلكية التي ترمز إلى الدقائق والساعات، حيث أن الحركة الظاهرية للشمس في القبة

السماوية هي حركة قوسية مما يجعل حركة الظلال الناجمة عن حجب أشعة الشمس بواسطة المزاول الشمسية قوسية أيضا. وفي الداخل

يوجد بعض الأحواض التي ربما تكون استخدمت من أجل قياس منسوب المياه المتساقطة جراء الأمطار أو لأغراض أخرى.

أما الطابقين فتم نحت كل منهما بزاوية ميل مختلفة عن الآخر، حيث سمحت تلك المساحة الناجمة عن اختلاف اتجاهي المبنى

بتخصيص مكان لرصد كميات الهطول المطري والتنبؤ المبكر لمخاطر الفيضانات. فتم تخصيص المساحة التي تعلو الجزء السفلي من

المبنى (باحة الجزء العلوي) لغايات الرصد، حيث يوجد حوض دائري متصل بحوض آخر مستطيل الشكل لتتم عمليات قياس كميات

الأمطار والإنذار المبكّر في حال كانت كميات الهطول تتجاوز القدرة الاستيعابية للسد المبني على مدخل السيق الذي يشكّل المدخل

الرئيسي للمدينة.

أما المركز الرئيسي لرصد كميات الهطول المطري في المدينة، فهو عبارة عن حوض منحوت بشكل هندسي مستطيل مع

انحناءات مدروسة على اتجاهاته الأربعة لتسمح بانسياب المياه إلى مركزه. وقد تم نحته إلى جانب الساعة المائية، وذلك لقراءة وتوثيق

كميات الهطول والمدد الزمنية التي استغرقتها خلال الأوقات الماطرة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى