نص

ديالا أحمد: الجدَّة وفيروز ومطالع الأغنيات

وَفاءً لِلصّوتِ، لِلثّباتِ المُستَمرّ في مَطالِعِ الأُغنياتْ:

ألو.. كَحْلونْ؟ سِتّي؟…

وامتداداً للحَنينِ وَسْطَ دَفقةِ الشّعورِ المُفاجِئِ للجَدّةِ التي بِالكَادِ أذْكرُها، وَكِيمياءِ الصّوتِ تَتّحدُ مع رَغبتي بِعشرةِ أحفادٍ أُخبرهمْ عن رَائِحةِ الأرْضِ وَفكْرَةِ بَساتينِ الزّيتونِ وتاريخِ الكُرومِ وسُلالاتِ التّينِ والعِنَبِ التي تَنْحَدِرُ من الجنّةِ … أحفاداً يقيناً لنْ يَكونوا هُناكَ يَوْمَاً مَا، عَلى الطّرَفِ الآخَرِ من الهَاتِفِ، وَلَنْ تَرْبِطَني بِهِم سِلْسِلةُ عَلاقاتٍ مَتينةٍ مُخْتزَلَةٍ في كَلِمَةِ ( ألو)، رَغْمَ رَجْفَةِ صَوتي وَتَهَدّجِ إمكانيّاتِهِ: سِتّي؟

سِتّي يا سِتّي اشتقتلكْ يا سِتي

علّي صَوْتِكْ… صَوْتِكْ بعيد

جَايِ من الكَرْمْ .. جَايِ من التّفاحْ

صَوْتك حَامِلْ شَمسْ وْفَيْ وْلُونْ التّينْ والزّيْتونْ

إيـــــــــــــــــــــهْ

وريحِةِ الطّيّونْ يا سِتّي…

وَحَتْماً لَنْ أكونَ الجِدّةَ رَاعِيَةَ الفِكْرةِ الهَشّةِ، والمَرأةِ المُشَوّشَةِ التي تُحِبّ رَجُلًاً حَقيقيّاً في الواقِعِ وَتُطارِدُ شَبَحَهُ في الخَيَالْ … العَاشِقَةُ التي نسيَتْ أنْ تُذكّرَ حَبيبَها بِأنّ اللقاءَ الأوّلِ كَانَ في ( قَهوةْ عَ المَفْرَقْ)… وَأنَها في لَحْظَةِ تَأمّلٍ تَرَكَتْهُ حُرّاً ( يَشْرَبُ منْ فِنْجَانِهِ وتَشْرَبُ مِنْ عَيْنَيهِ)… وَهِيَ تَبْذُلُ جُهْداً جَبّاراً لِكَيْ تُبَرّرَ لهُ مَوقفَ السَيدةِ التي رَأتْ فيهِ رَجُلاً لا يَصْلُحُ لِلْحُّبِّ… المَرأةُ التي لا تَعرِفُ كَيفَ تَقولُ لِرَجُلٍ تَرَكَها دونَ مُبرّراتْ:( تِزْكُرْ آخرْ مَرّهْ سْهِرْتا عِنّا…تِزْكُرْ كانْ فيهْ وَحْدِة مِدّايقْ مِنّا… هَيْدي إمّي بْتِعَتَل هَمّي مِنّكْ إنْتَا… مَلاّ إنْتَا) … تَخَافُ أنْ تَخْسَرَكَ لِذَلكَ لا تَقولْ.

لَنْ أكونَ جَدّةً وفيرَةَ الذّاكِرَةِ والحَظّ بِوِسْعِها أنْ تُخْبِرَ أحْفَادَها وَأحْفَادُ حَبيبِها رَغْمَ أنّ الوَقتَ قَدْ تَأخّرَ كثيراً… أنّ أُمّهَا مَاتَتْ بَعدَ (آخرْ مَرّةْ شِفتكْ سَنْتَا….(

لَكنّهَا، وَرَغَمَ أنْ لا أحْفَادَ لَدَيْكَ وَلا أحفادَ لَديْها … تَرَكْتَ لِصَوْتِ فيروزَ مَهمَةَ الحِسَابْ، وَقَدْ تَكَفّلَ أنْ يَسْألَكَ نِيابَةً عَنْها كُلّ صَباحٍ قَبلَ السّابعةْ، قَبلَ أنْ تَحلِقَ ذَقنكَ وتَضَعَ عِطْرَكَ وتَرتَدي ( عِدّةَ النّصْبِ الأنيقةِ)… كِيفَكْ إنْتا؟…. فَيروزُ التي وَعَدَتْ بِأنْ تُعيدَ لَها عَينيكَ الطّيبتينْ في ( مِنديلٍ) دونَ أنْ تَمنَحَكَ شَرَفَ السّؤالْ :

أتُرَى حِينَ أفْقَأُ عَينَيكَ

ثُمّ أثْبتُ جَوهَرَتينِ مَكانَهُمَا..

هَلْ تَرى..؟

هِيَ أشْياءٌ لا تُشْتَرَى…

صَباحاً غَنّتْ فيروزُ مِثلَ كُلّ صَباحٍ، على الطّريقِ القَديمِ الذي لا ذِكرياتَ لنا فيهِ، لَكنّهُ الطّريقُ الّذي يَحْملُنا باتّجاهِ أقْدارِنا… الطّريقُ الّذي لَمْ يَكُنْ يَوماً إلاّ جُزْءاً منْ حِكاياتٍ تَناسَلتْ عنْ إسْفَلتٍ ورَملٍ وَريحٍ ودواليبَ قدْ تَتَعطّلُ لأنّ مَوتاً مُفاجِئاً دلّ الطّريقَ إلى المُسافِرينَ جَنوباً وَراحَ يُنْهي مَهْزَلةَ حَياتِهمْ بِبِطءْ!

وَماذا بَعدُ؟

هلْ اعترَفُ لكَ والصّبيُّ منْ خلفِ النّافِذَةِ يصيحْ: يا آنسهْ يا آنسهْ شو قهوتكْ… وأنا أنهرهُ: سادهْ سادهْ، ع مهلكْ ليش معصّبْ؟… هلْ اعترفُ أنّ الوقتَ ما زالَ واقفاً هناكَ بانتظارِ جَدّةٍ خَرِفَةٍ تُحَدّقُ في الكَونِ ببصرِها الهَزيلِ مِنْ وراءِ عَدساتٍ تَجْعلُ الحَياةَ جَوْفَاءَ وأكثرَ تَقَعُّراً… هلْ أعْترفُ لكَ أنّي قدْ نَسيتُ اسْمَكَ بالفِعلْ، رَغمَ أنّي ( سِنينْ بقيت، جَرّبْ فيهُنْ أنا إنساكْ، ما قْدِرْتْ نسيتْ ) ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى