نص

حلا السويدات : تأمُّل في الحياد المعرفي

إنّ النص العربيّ، الثقافي والمعرفي، بقدر ما يدور حول قطبي الاتصال مع الموروث أو الانقطاع عنه، يظل شائكًا عند إسناده إلى المرجعية الخطابيّة التي ينبثق عنها ويطرح نفسه في ضوئها، وعند الحديث عن أفق الكتابة عن الحاضر العربيّ الحديث، تقف أمامنا مشكلاتٌ عدة بوصفها عائقًا إبستمولوجيًا، أهمها: حقيقة المجال المعرفيّ الذي يغذّي التصورات الذهنية الفكرية، والمطروح الذي يؤخذ عنها، ومجموعة الأسئلة الجديدة التي تحتاج إلى إجابة، وحقيقة لزوم التجديد وإعادة البناء والهيكلة، الذي يفترض بالضرورة التعارض مع ما هو سابق، تعارضًا يفضي في النهاية إلى الهدم وإعادة البناء والتشكيل، فهذا كلّه يلزم حسم الموقف من المقولات المعرفيّة السابقة والمزامنة للحظة الكتابة، وتحديدًا مصطلح الحياد، الذي بناءً عليه يكون الكاتب مضطرًا لتحديد موقفه من أي مرجعية معرفية سابقة كانت أم حاليّة، بعد القراءة والتمحيص، والفهم والإدراك.

يُطرح الحياد على وجهين في ظل تعددية المواقف السابقة للحظة الكتابة: الحياد في الكتابة الذي ينبثق عن كونها عمليّتي تأمُّل وتفكّر خالصتين ومنسحبتين ومتجردتين من أي حقيقة سابقة أو حاليّة، وحياد آخر، يعيد تأويل وقراءة مقولات أخرى وتطويرها وتطويعها من أجل تمرير نمط آخر مشابه أكثر تطورًا وتلمسًا لواقع مرتبك أمام أسئلة جديدة، ولمّا كثر هذان النوعان من الكتابة، لزم أن يضع القارئ لهما مخططًا مفاهيميًا، يستطيع من خلاله أن يمايزهما، وبذلك لن يكون القارئ متلقيًا عاديًا أو فارغَ الذهن، بل ممتلئًا بالوعي الذي يمكّنه من إصدار حكم قيمي يجعله يحدد الاتجاه الذي تنطرح فيه هذه الأفكار، أكانَ اتجاهًا يكتب نفسه في ظلال معرفيّة أخرى أو أنه يقدّم نفسه بوصفه قراءةً جديدةً وظلًا جديدًا مجترحًا.

1- حياد الكاتب
لكننا، نتساءل عن إمكان إتمام لحظة الحياد، لتعارضها مع مصطلح القياس، في حين أنّ أي فكرة معرفية تُطرح تقاس على أفكار سابقة حتمًا؛ لذلك فهي تكتب في ظلها، موافقةً أم اعتراضًا، اجتراحًا أم انقطاعًا، وتتناص معها، لتكون تتمة تعاقبية للتاريخ، فالحياد جُرأة تُدعى ولا تطبق، وقَبولها يعني أن يُنكر حاملها إجحافًا الأضواء والاستنارات العقلية والفكرية التي تأتت له قبل لحظة القرار في أن يكون محايدًا، فهو دون أن يدري، سيميل إلى تلك الترجيحات السابقة لأوان الكتابة، وإلى انطباع سريع عابر مرّ في ذهنه عند قراءاته السابقة، وسيبذل جهده في إزاحة الأفكار والتأويل والتحليل، بل حتى إزاحة ترجيحاته نحو ميل سابق يكمن في نفسه يبرز فوق ثنوية: الموروث بوصفه لحظة منتهية الآجال والأحوال، والحاضر الفعّال بكل ما يحمله من أدوات معرفيّة.


القضية إذن لا تكمن في الحياد؛ لأننا لم نقبل بوجوده أصلًا لعدم تحقق الإفراغ المعرفي بحرفيّته من ذهن الكاتب، لحظة الالتقاء مع القضايا المعرفيّة التي تحدد جذرية المسألة المبحوث فيها، كالانتماء أو الموافقة أو المعارضة، فإنّ أي حياد يتوهمه الكاتب، هو حكمٌ مؤجّل حتى اكتمال الصورة وتفعيل الأدوات الكافية لإتمام بحث المعرفة، وبعدها لا بد أن تتحدد ملامح الطرح الفكريّ، وأن تتخذ موقعها في شجرة المعرفة، وترابطاتها وشبكاتها العديدة، وأن تندرج تحت مناهج وطروحات أخرى، وسيمكن حينها أن تُصنف بمصطلحات وحقول ومفاهيم، وأن تتكامل مع الطروحات المختلفة؛ المغايرة والمشابهة.

2- حياد القارئ
ولمّا كانت معضلة الكاتب الحياد، ستكون معضلة القارئ أنه يتعجّل البناء المفاهيمي دون منهجية في القراءة، تتيح له أن ينظم الأفكار ويبوّبها ليحمل نظرة إبستمولوجية (متلقاة)، فتتحول لوجهة نظر/ معتقد/ فكرة/ انتماء/ أيديولوجيا/ لا انتماء… الخ، دون أن تكون فاعلة إنتاجيًا على صعيد القراءة التحليلية التأويلية التي ترتكز على مجموعة الاستدلالات التي تتمثل في ذهن المتلقي لحظة القراءة، إضافة إلى الأسئلة التي يُمكن لها أن تمثُل فوق السطر المقروء، فبين القراءة السابرة لأغوار التمثلات الذهنية الذاتية، والقراءة السابرة لأغوار المقروء مفصولًا عن الكمِّ المعرفي السابق الحادث ضرورةً في ذهن المتلقي، سيأخذ المقروء طريقين، لن يكون الحياد أحدهما، حتى لو كان حيادًا في التصنيف، أو الرفض والقبول له، لن يكون حيادًا من حيث القياس على التشكيلات الذهنية المعرفيّة لدى القارئ، بل من حيث التردد في الاستيعاب والتبني، وتأجيله حتى اكتمال المنهج.

3- معيقات الحياد المعرفي
فبعد معضلة الحياد، المتمثلة وهمًا بينَ فعلي القراءة والكتابة، تتجلى لدينا معضلة أخرى، وهي معضلة اللحظة الزمنية المناسبة التي يمكن للكاتب/ القارئ من خلالها أن يعلنا فيها موقفهما، من قضية مهمة ومركزية مثل فصل/ وصل، الموروث مع الحاضر، دون الوقوع في تهويمات القراءة المتعجلة المنشورة حول الموضوع، وكأن على القارئ أن يكون باحثًا وكاتبًا في الآن نفسه، قادرًا على تقييم الأدوات النقدية والدفاع عنها، فنحن نذهب الآن إلى نوع من التخصصية الثقافية، التي تترك مجموعة من المتطلبات والاشتراطات المسبقة على حالة إعلان موقف نقدي/ أو أيديولوجي/ أو قيمي من مسألة مهمة مثل هذه المسألة، ولمّا كان هذا المتطلب صعبًا ومختزلًا في أهل الاختصاص المعنيين بطرح الفكرة طرحًا نقديًا أكاديميًا علميًا، وليس في الذين يشكل طرحُهم مواقفَهم الفرديّة ومجموعة معتقداتهم وأفكارهم الخاصة حول الأشياء، مما لا يلزم بالضرورة أن يُفهم ويؤخذ به، على صعيد الجماعة، وتشكيل الخطاب بكليّته.

نفصل إذن بضرورة الحال بين قارئ سابر لأغوار المقروء بغية تتبع النتيجة ضمن منهج علمي استدلالي، يفضي بالنهاية إلى الكتابة، وبين قارئ يسائل الأفكار على صعيد ذاته، دون تسريب هذه التساؤلات إلى الجماعة شفاهةً وكتابةً ضمن عمل ممنهج لتحقيق غاية معروفة ويمكن تلمسها، وهذا يجعلنا بدورنا، نتساءل، ما قيمة أن يحمل الأفراد إذن موقفًا واضحًا من درس الحضارة، ومواطن تأزمها، وتشوه خطاباتها، وعلاقة الاقتصاد والسياسة، وتضارب الاتجاهات، وانفراد الذات بنفسها وهمّها دون مشاطرة الهمّ المعرفيّ؟ نلحظ أن إقصاء الأفراد عن الدرس المعرفي وإشاعة التعليم التلقيني وتقليل دور النقد كحدث يومي ومتكرر، يفضي أخيرًا إلى التخصصية، ولمّا كانت هذه التخصصية منوطةً بحمل هذا العبء المعرفي، لاقت إجحافًا من ناحية الأفق الذي تروّج فيه لنتاجاتها، فهي مقصاة ومحددة بالضرورة، وتتفاعل فيما بينها ضمن وجود فئة مهتمة ومعنيّة، تصبُّ أيضًا في دائرة المتخصصين، ولما نقول دائرة؛ نرى أنّ لا بداية ولا نهاية ضمن هذا الخط المتصل ببعضه؛ أي أنها دائرة مغلقة، محددة، وتُقصي أي محاولة لا منهجية تتناول موضوعاتها المدروسة بعناية فائقة، لذلك تتعرض بعض الطروحات المعرفيّة إلى الثبات في كونها طروحات دون أن ترقى إلى أن تكون مشروعًا جذريًا مُلمًّا، فيتسم بصفة الرأي، دون التطوّر وصولًا لأن يكون مشروعًا كاملًا، وفي الحالات التي كان فيها الكتاب أصحابَ مشاريع من خلال كتابات ودراسات متسلسلة، أُلحقت هذه المشاريع بأسمائهم وليس بمصطلحات نظريّة، فتكون بهذا منهجًا فرديًا، على الصعيد العربيّ، لنقرأ كتّابًا، أبدوا جهدًا في بناء منهجية واضحة لها مكانها من شجرة المعرفة، إلّا أنّ هذه المشاريع لا تتضافر ومن النادر أن تشكّل أثرًا ثوريًا وتغييريًا لغياب التفاعل مع الخطاب المعرفيّ مجتمعيًا وسياسيًّا، ربّما لأنّ بعض المنظرين العرب في نظرية المعرفة، تخّلوا عن الطموح بالأدلجة، فظلّ طرحهم رهين التلقي والتحليل والتأويل والدراسة.

يُمكننا القول، إنّ الحياد مسألة شائكة، وادّعاءً سريعًا، يوهم صاحبه بأنّه يقف على أرضٍ خالية، لا أسيجة قبلها ولا بعدها، فينطلق حرًّا اتجاه الاستحضار المعرفيّ لما يعتمل من مكنونات وتساؤلات داخله، دونما أن يتخلّص من التعالقات السابقة والمزامنة للحظة اعتراكه الفلسفي المعرفيّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى