فن

صفاء حطاب: الاقتباس السينمائي من الأدب.. الكلمة والصورة

الاقتباس هو تحويل الرواية إلى فيلم، والكلمة إلى صورة وأن تحكي بالصوت والصورة والانتقالات بين المشاهد دون كلام، فالصورة السينمائية هي كل ما نراه أو نسمعه في الفيلم.

أو كما يقال في عالم الاقتباس (تخريب الرواية) وتحويلها إلى فيلم، واستخدام كلمة “تخريب” هنا يأتي بدلالة خاصة تحمل معنى إيجابيا، فإبداعية الاقتباس السينمائي من الأدب تكمن في قدرة السيناريست على الاشتباك مع النص وإعادة انتاجه فكريا بحرية تامة،

حتى ولو كان السياق الفكري الجديد مختلفا عن الأصل تماما.. وإعادة تشكيل وبناء النص السينمائي، وتحويل عناصر الرواية إلى عمل مصور، بناء على المعطيات الخاصة من حيث الزمن والوصف والشخصيات، بعد دراستها جيدا ثم التأسيس لأسطورته الخاصة بناء على الرواية.

فلا خضوع لسلطة النص الروائي، ولا لأي طرف على كاتب السيناريو، فوجهة نظره ورؤيته هما الأساس والموجه لعملية الاقتباس، مع أهمية معرفة عالم الروائي، ومميزات أسلوبه، ومعرفة طبيعة مشروعه الفكري، وكيف تعاطى مع فكرته، وما هو التصور الذي طرحه من خلال الرواية، لمعرفة مفاتيح المعالجة المناسبة، قبل البدء بإعادة إنتاج الفكرة من جديد، وبرؤية جديدة تعتمد على خبرات متراكمة عند كاتب السيناريو ونتاج ثقافة واطلاع واسعين، فهو يحول جنسا ادبيا إلى جنس آخر تماما، وينقل المتلقي من عالم الأدب والوحدات السردية الطويلة إلى المشهد والصورة المكثفة.

ويعاد تقديم الرؤية الجديدة للمشاهد باستخدام الصورة، وعناصر الحكي فيها من إضاءة وديكور وأصوات، وبسلاسة تجعل المتلقي يتشبع بالفكرة، من خلال تصاعد الإيقاع الدرامي بمنطقية وتكثيف وترميز، وكما يقول ماركيز:( إذا كنت لا تستطيع رواية قصة في صفحة واحدة فاختصرها إلى صفحة واحدة) باستلهام صوت السرد المناسب في الفيلم، وفقا لعلاقته المؤثرة بفكرة ومضمون القصة، واختيار شكل الراوي فيه (عليم أو لصيق أو نصف عليم) بما يخدم الفكرة، ويجعلها في تصاعد تراكمي، وتوظيفها لصب أفكار في جوهر القصة وتفجير أبعاد المضمون. بالإضافة إلى حركة الشخصيات والإضاءة والحوار في المقام الأخير.

كيف يخلق كاتب السيناريو الشخصيات في العمل المقتبس؟

يتعامل كاتب السيناريو مع شخصيات الرواية بالدمج والإضافة والحذف، فالشخصية هي أساس الدراما، وحركتها تصنع الحبكة، وبما أن أي عمل فني يمر بمرحلتي الإيهام والإقناع، فكان لا بد أن يكون العمل مقنعا على مستوى المتلقي، وجعله يعيش في عالم العمل؛ حتى يصل لمرحلة الاقتناع بعد مراقبة ورصد حركات الشخصيات، وتصاعد الصراع بعد طرح الأسئلة في الفصل الأول، ثم تنامي الصراع من خلال التباين في أفعال الشخصيات ودوافعها، اعتمادا على بنائها بعيدا عن الصدف، ، فنظرة واحدة في مشهد يمكن أن تعبر عن فصل في رواية، وترهص بإحساس الشخصية، وبالصراع القادم وبما ستفعله تلك الشخصية في المستقبل مما يدفع الحبكة للأمام في الفصل الثاني. حتى نصل للذروة في الفصل الثالث والأخير، ونجيب عن الأسئلة المطروحة خلال الفيلم، ويكون قادرا على تحقيق مستويات متعددة من التأويل.

هل يمكن لكاتب السيناريو التلاعب بالزمن في الفيلم المقتبس؟

نعم هي لعبة الزمن وتسييله، ثم تكثيف ودمج الأزمنة الهامشية، وتحديد ارتكازات زمنية، يتم الاعتماد عليها في سير الخط الزمني للفيلم، بما يخدم المعالجة الجديدة. فالتعامل مع الزمن في الرواية هو عمل إبداعي مهم، ولكاتب السيناريو تسييله وتفتيته ثم إعادة ترتيبه بما يتناسب مع فكرته وتصوره، فقد يكون الخط الزمني صاعدا ومنتظما،  وقد يكون استعادة وحكيا غير خطي ينتقل بين الماضي والحاضر، وهذا النوع تحديدا يلغي جزء من اليقين عند المتلقي، ويتم اختياره إذا كان يخدم موضوع الفيلم وقصته.

ختاما: هل يمكننا  أن نجري مفاضلة بين عمل روائي وفيلم مقتبس منه؟

لا يمكن أن نفاضل بين عالمين مختلفين من الدهشة والجمال، فكاتب السيناريو المبدع هو من  يتقن تحويل لغة الأدب الرائعة وبلاغة الكلمة إلى عالم السينما المثير والصورة الساحرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى