نص

سليمان قبيلات : وقفت أستظلُّ تحت تينة عربية كاتالونية

قبل أنْ أجلسَ تحتَ هذه الشجرةِ، سأجلبُ مجهراً كاشفاً لأوجاعٍ راكدةٍ في قيعان الذاكرة، مُذ كنتُ طالباً في جامعة لينينغراد الروسية.
فبكثيرٍ من الولهِ بالعربِ، قالت لي زميلتي الاسبانية يولاندا او يولانتا كما يلفظها الاسبان: انا عربية.
وبرنّةِ صوتٍ تائهٍ، استعانت يولانتا، بتقليد أُسريٍّ، شبّهته بِأحد أضلاع الثالوث المقدس، فأضافت بصوتٍ موجوعٍ : في مزرعة عائلتنا شجرةُ تينٍ مُعَمّرةٌ، زرعها جدُّنا اليماني الحارثي بعد أن تقاعد واستقرّ حكم الولاة العرب في الاندلس ، يحرصُ كل فردٍ في أُسرتنا على أن يستظلَّ تحتها قبل أي رحلةٍ داخليةٍ أو سفرٍ طويلٍ.
فأسألها : كيف صغتم هذا التقليد المقدّس؟!
أطرقتْ يولانتا طويلاً، وأجالت النظر في البعيدِ، واستانفتْ: هذه التينةُ صلّى تحتها جدنا وكل ذريته حتى بعد أن غدوا مورسيكيين، لكن الشِّقة الزمانية وتقلّبَ الأوضاع، أفقدنا لذّة مُناجاةِ الله بلغة القرآن، التي أصبحت وهماً ومُتخيّلاً بعيداً.
ولتضاعف أوجاعها وأوجاعنا، عادت يولانتا من كاتالونيا، وهي تحمل شجرة العائلة: دهشة ولوعة حد البكاء. نعم؛ كانت عشرة اسماء اسبانية تعتلي القائمة. لكنها بدءا من الجد الحادي عشر تصبح عربية وعددها 14 او 15 اسما، لتنتهي باسم فقدته الذاكرة، لكنه يعود على كل حال الى بني الحارث اليمنية. كان هذا الحارثي قائداً في جيش الفتح الذي قاده موسى بن نصير الى الاندلس.
تقيم اسرة يولانتا قرب برشلونة.تعمل في مهنة التجارة التي آلت اليها عبر الزمن. تملك الاسرة مساحات كبيرة من الاراضي، وذات تقاليد في الاتجار عبر التاريخ مع مناطق كاتالونيا والاندلس وسواهما. جرى لهذه الاسرة مثلما حدث لمئات الالاف من العرب الذين جرى تنصيرهم، عشية وبعد السقوط المتوالي للامارات العربية وآخرها امارة بني الاحمر في غرناطة 1492.
“ميغيل” زميلنا الإسباني، أشقر طويل، كان شيوعيا يعيش في شمال اسبانيا. كان ودودا ومتابعا للشأن العربي، وكثيرا ما كان يأخذ على “يولانتا” تذكيرها باصولها العربية. لم اكن أعي في تلك الفترة ما معنى هذا الانتقاد الذي تبين لي لاحقا انه يعني الكثير في اسبانيا التي يأسرها التاريخ. كانت يولانتا وميغيل يلفظان حرف s ثاء . لكن ميغيل كان يقول ان لفظ يولانتا لهذا الحرف مصطنع لانها ليست اسبانية خالصة. فهمت لاحقا ان قشتالة التي قادت طرد الحكم العربي، فرضت ثقافتها على بقية الاقاليم في اسبانيا. بعد سنوات كتبت يولانتا ما معناه، ان مشكلة بلادها اسبانيا تكمن في ان النظام الملكي العائد بعد موت الديكتاتور فرانكو، وكذلك النظام الديمقراطي برمته يمثلان مصالح الطبقات الحاكمة وتحالفها العابر للاقاليم الاسبانية.
وتلحظ زميلتي أن تعايش اسبانيا مع الصراع الهوياتي وربما الاتني، كانت الغلبة فيه دائما لقشتالة التي تستأثر بمفاتيح السلطة والثروة، عبر نسجها تحالفا عابرا للاقاليم. لكن الامر بعد ازمة الرهن العقاري 200‪8 وبلوغ اسبانيا مرحلة قريبا من الافلاس، ضاعف الاحساس بالاستغلال لدى الناس في كاتالونيا الغنيّةِ.
َاختتمت يولانتا قولها بفقرةٍ ذات مغزى:
ملمحُ الحزنِ باقٍ في الأندلس ما بقيتْ مصادرةُ حقوقِها في الهويّةِ!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى