فن

غازي انعيم : لوحة وفنان

الشقيقتان

للفنان الفلسطيني عبد الهادي شلا
القياس : 16 × 20 بوصة
السنة: 2020
يعد الفنان التشكيلي الفلسطيني عبد الهادي شلا الذي ولد في 20 نوفمبر 1948 م، واحداً من أهم رموز الفن التشكيلي الفلسطيني الذين أضفوا مسحة رائعة عليه وأعطته هويته المتميزة، وهو أيضاً واحداً من ذوي المنهجية الصارمة والحس النقدي وسعة الأفق والثقافة؛ بالإضافة إلى ذلك يتعامل مع تقنيات متعددة مثل التصوير والحفر والكاركاتور، كما يكتب القصة والخاطرة والشعر والنقد، ورسم للصحافة وأسس ورأس تحرير جريدة الصراحة التي تصدر في كندا.
كما مر الفنان شلا بمذاهب فنية متعددة، من الواقعية والتعبيرية والسريالية والتجريدية ثم حط عند الحروفية، لكنه بقي مخلص لتعبيريته ولحروفيته العربية وتراثه.
في عام 1965 م، غادر فلسطين للالتحاق بوالده الذي كان يعمل في دولة الكويت، حيث واصل تعليمه، وفي الكويت حصل على شهادة الثانوية العامة عام 1966 م، وهو نفس العام الذي التحق فيه بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة. حيث اطلع فيها على عناصر العمل الفني وتعلم تاريخ الفن والحضارة والأساطير والمنظور والتشريح وأسرار الألوان والتقنيات… وفي الكلية تبلورت ملكاته الفنية التي أهلته إلى جانب موهبته أن ينتج لوحة تعتمد على البناء المحكم للتكوين والعناصر… وفي عام 1971 م، رسم خمس لوحات عكست الخصوصية الفلسطينية، وهذه اللوحات التي حملت عنوان: ( صور من الحياة ) كانت من ضمن مشروع تخرجه في كلية الفنون الجميلة، حيث أهلته للحصول على درجة البكالوريوس في الفنون من قسم التصوير.
بعد تخرجه غادر مصر عائداً إلى الكويت ليواصل مسيرته الفنية في المعارض والمشاركات المحلية والخارجية وحفر اسمه عميقاً في الحركة التشكيلة العربية، لكن لم يكتب لفناننا أن يستقر في مكان ما.. وكتب عليه أن يهاجر مرة أخرى؛ فبعد احتلال العراق للكويت اضطر عبد الهادي شلا أن يهاجر إلى كندا مثل من هاجر من المبدعين العرب الآخرين…
صحيح انه هاجر، إلا أن عقله لم يهاجر وبقي حنينه مرتبط بفلسطين وبغزة وبشوارعها وبحرها وغيرها من الأماكن التي عاش طفولته وصباه فيها.. لذلك بقي يتغنى بكل ما فيها لأن المكان الذي أحبه يعتبر الأشد التصاقاً بالروح حيث تسكن ولا ترحل، كما بقي يتغنى برمزيته المؤكدة على يقين العودة إلى فلسطين التي ما زالت تسكن القلب واللوحة، لأن الحنين لا يفارق الروح.
كان عبد الهادي دائماً مرتبطاً بالوطن وبالآخرين عبر مراحل مسيرته الفنية التي كانت مثيرة بما تحمله من ألم وحزن وتفاؤل وفرح وإبداع وتفوق ونجاح.. كما كان باحث ومجرب وفناناً عاشقاً لفنه ولقضيته وللإنسان الذي ينتمي للأرض التي يقاتل من أجلها..
لقد كان الرسم بالنسبة له فعل يومي لا ينقطع، وهو أينما يجلس يرسم بأقلام الرصاص والفحم وأقلام الحبر فوق بياض الورق الأبيض أبطاله الذين يحبهم وكان يرسم بالألوان الزيتية أو ألوان الأكريليك على مسطح القماش الأبيض الموضوعات الإنسانية والوطنية والأمومة والطفولة والحب وغير ذلك من موضوعات تجسدت بألوان صريحة بفرشاة مصور متمكن.
لوحة الشقيقتان
الفنان: عبد الهادي شلا
القياس : 16 × 20 بوصة
السنة: 2020
ينتهج الفنان عبد الهادي شلا في لوحة ” الشقيقتان ” أسلوب جديد يختلف عن الأسلوب الذي كان ينتهجه في السابق حيث ينحو في هذه المرحلة إلى التعبيرية التجريدية فيعتمد على المساحات بعيداً عن التفاصيل، كما يبالغ في النسب التشريحية وبشكل خاص الرقبة حتى يصل إلى الحالة النفسية التعبيرية التي يحسها تجاه الموضوع.
ـــ يصور الفنان في هذه اللوحة التي توضح القيمة التشكيلية التعبيرية، شقيقتان تقفان إلى جانب بعضهما البعض، ويلاحظ تركيز الفنان على الوجهين، وبشكل خاص العينين والفم المغلق، حيث تفصح عينا وفم كل منهما عن شخصيتهما، ورغم صغر العينين إلا أنهما ذات نظرة حالمة، كما أن الفنان أعطى الإحساس بالتركيز على العينين وأهميتهما في التكوين.
أما بالنسبة للفم رغم أنه مغلق عند الشقيقتان، إلا أنه يعبر عن حالة اندهاش أو تعبير عن شيء ما.. لذلك يعكس العمل الفني نظرة كل واحدة منهما، حيث تبدو الفتاة التي ترتدي الفستان الأبيض مستغرقة في التفكير، وبما يحمل المستقبل من أخبار سارة تعيد إليها الابتسامة وصفاء النظرة.. وشفافية الحلم .. وهي تعرف أن وراء هذه الابتسامة سيأتي الفرج وستأتي السعادة.. لكن هذه الابتسامة محاصرة بأعماقها الداخلية بما فيها من مخزونات محزنة وذكريات تفيض بالأسى وبالأفراح المختنقة، وقد أراد الفنان أن يظهر ابتسامتها مصحوبة بالأمل..
أما شقيقتها ذات الفستان الأحمر الذي يعكس جسدها الانثوي المتوهج بالغواية والعشق المباح فهي تقف متماسكة وثابتة ولا يشي بمعاناتها غير لمحة من الحزن الخفي حيث تقبع في أعماق نظراتها المحملة بالتعب من الأيام وبالوعد والأمل القادم، الذي سيجلب الفرج وسيجلب معه فارسها الذي غاب وطال انتظاره.
والمدقق في هذه النظرة الغامضة من عينيها الحالمتين يلاحظ أنها باحت بما لم تبح به شقيقتها، حيث تتجه عينيها نحو الفارس المتمثل والمتمثل بـ” القط الأسود ” الذي ينتصب في الزاوية اليسرى من اللوحة والذي يظهر بشكل مُتحفز ويرسل من خلال وقفته رسائل مشفّرة إليها استعداداً للعودة من اجل إعادة بث الحياة في المكان. لا سيما أن القط يعتبر واحد من أهل البيت وهو بشير فأل، وهذا ما تؤكده المعتقدات التي كانت شائعة في العصور الوثنية حيث تشير إلى أن القط الأسود هو بشير فأل وعلامة على الحظ الحسن، كما أنه رمزاً للشهوات الحبيسة.
وقد ارتفع شأن القط في الثقافة المصرية الفرعونية ووصل إلى أن أصبح من الآلهة فانتشرت عبادتها في عهد الأسرة الثانية والعشرين ومنذ الدولة الوسطى شاع استعمال القطط في زخرفة جدران المصاطب، وتعتبر القطط في الإسلام من الحيوانات الطاهرة وكانت محببة إلى النبي ( صلعم ) وعن أبي قتادة والد زوج بنت كبشة بنت كعب بن مالك قال أن الرسول ( صلعم ) قال: ” ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات “، كما كان يتوضأ من الماء الذي تشرب منه.
ـــ صور الفنان لوحته بأسلوب بسيط، يعتمد على الحس والتعبير الواضح من خلال مشخصاته المتمثلة بـ ” الشقيقتان ” للتعبير عما يدور في داخلهما، وكذلك كي يثير في نفس المتلقي التأمل والتعاطف معهما.
ـــ جاء التكوين في اللوحة التي تميل عناصره إلى البساطة والتسطيح، بنائي يعتمد على اتزان الكتل المتمثلة بـ ( الشقيقتان والقط ) واتزان العلاقات الخطية، إضافة إلى اتزان الألوان التي تميل إلى الأحمر والأبيض والأوكر والأخضر الفاتح المشوب بالاصفرار ثم الأسود والأزرق الفاتح.. حيث نلاحظ قدرة الفنان في السيطرة على القيم اللونية التي جاءت بصفة عامة منسجمة في اللوحة ككل.
ـــ صور الفنان اللوحة في إطار البعدين رغم محافظته على التجسيم ( الفورم ) ويبدو ذلك من الدرجات اللونية المتساوية في كل من العناصر المرسومة في مقدمة اللوحة وفي الخلفية.. حيث قسّم اللوحة عرضياً إلى قسمين، علوي وسفلي ليحقق الاتزان الخطي، وليحدث إيقاعاً بين المساحات.
ـــ أسلوبه الفني ينتمي إلى المدرسة التعبيرية التجريدية، فهو يتفق معها في معناها بإحساسه بالسرعة والتغيير، ويتفق معها في مفهومها بتسجيل اللحظة نظراً لكونها متغيرة، أي تسجيل اللحظة في الحركة الدائمة للوجود، فنجده يسجل لحظة زمنية بعينها، وهي لحظة تأمل أو تفكير الشقيقتان في عودة الغائب بالنسبة لهما..
أخيراً يتفاعل الفنان ” شلا ” مع الموضوعات ذات الصبغة الإنسانية، لذلك نلاحظ اهتمامه بالعنصر الإنساني في أعماله، فهو يشكل المحور الذي تدور أغلب الأعمال الفنية حوله، ويظهر ذلك من خلال هذا العمل الفني المنفذ بأداء وبناء تشكيلي قوي وتناغم لوني يظهر براعة الفنان ودراسته الأكاديمية وميله للتجديد والابتكار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى