نص

د. تيسير أبو عودة : تراجيديا الحب والحرب في عصر النهضة

عطيل هو جنرال مرتزقة من شمال أفريقيا، ومن أصول إسلامية، صيره شكسبير معتنقا للمسيحية، ونحت من خلاله تحفة مسرحية خالدة. جلب إلى البندقية كي يقود الحرب ضد الجيش العثماني. تبدو المواجهات الاستعمارية، كما يسميها طلال أسد، قديمة قدم العالم.

يصف إياغو وصديقه التابع روديريغو عطيل بالكبش الأسود، والرجل غليظ الشفاه، والمورسكي…. ويعتقد والد ديسديمونا جازما أن ابنته لا يمكن أن تكون قد وقعت في غرام هذا الرجل الأسود، بل لا بد أن تكون ضحية تأثير السحر!! ويبدو أنه يموت كمدا قبل أن تتطور أحداث المسرحية، ويشهد تراجيديا مقتل ابنته على يد حبيبها وفارسها القادم من تخوم أفريقيا السرية.

يقدم شكسبير مسرحيته من خلال سياق استشراقي وأوروبي برجوازي طبيعي وهو امتداد لمرحلة عصر النهضة الذي تميز بإحياء التراث والفلسفة والعلوم فيما يسمى بالعهد القديم (الإغريق والرومان).

تبدو حبكة الحب هنا مضطربة، وفي غاية التعقيد: ديسدمونا، ابنة السيناتور باربانتيو، وهي صاحبة الجاه والجمال والذكاء، والتي تقع في حب عطيل الغريب والقادم من بلاد ألف ليلة وليلة. لكنه فصيح اللسان، بليغ الكلام، وصاحب موهبة فريدة في سرد بطولاته ومغامراته التي تخطف الأسماع والأبصار.

تبدو ديسدومونا مولعة بلغة وبلاغة عطيل، وقدرته المدهشة على السرد، فهو محارب قادم من عالم الشرق الغرائبي، ولديه صولات وجولات بطولية مع وحوش بشرية، ومع معارك في قلب الصحراء، وقصص مع سحر الشرق وجنونه.

أما عطيل، فهو عاشق غريب، أحب ديسدومونا وأغرم بكوكبها الدري، وشخصيتها، لكنه رجل حر، ويعلن دوما استعداده في اختيار الحرية حتى لو كلفه الثمن خسارة حبه لديسدومونا، ورغم هروبه مع ديسديمونا رغم أنف أبيها، إلا أن شهر العسل لم يكتمل بل لم يمنحه فرصة واحدة كي ينعم بفردوس الحب ولو مرة، فهو يستعد للحرب ضد الأتراك المسلمين، بوصفه قائد الجند في البندقية، حيث مثلت هذه المدينة نقطة الالتقاء الثقافي والحضاري والتجاري. ويقدم لنا شكسبير قبرص كمدينة غير حضارية، ومحتشدة بالفوضى، في حين يقدم لنا البندقية باعتبارها مدينة الثقافة الأوروبية ومهد الحضارة الإنسانية.

يقدم شكسبير مسرحيته من خلال سياق استشراقي وأوروبي برجوازي طبيعي وهو امتداد لمرحلة عصر النهضة الذي تميز بإحياء التراث والفلسفة والعلوم فيما يسمى بالعهد القديم

الحب والحرب ثيمتان مركزيتان، لكن شكسبير يوظف تقنية المفارقة الدرامية بصورة عبقرية. يغرق أسطول المحاربين الأتراك، وتضع الحرب أوزارها قبل أن تسيل قطرة دم واحدة، فتتحول الحرب إلى غرفة نوم عطيل، حيث يقوم إياغو بزرع بذور الشك في عقل وقلب عطيل. يشك عطيل أن زوجته ديسدومونا تخونه مع كاسيو الملازم ونائب قائد الجند، فيجن جنونه. لا ننسى أن إياغو شخصية معقدة أكثر من عطيل، فهو جندي يرى أن عطيل قد تجاوزه وأهمل مهاراته الحربية، حين عين كاسيو نائبا له بدلا من إياغو. يعول شكسبير على منديل ديسديمونا كحبكة جزئية صغيرة، تصبح لاحقا حبكة مركزية كانت سببا في مقتل ديسديمونا. يرى إياغو أن كاسيو جندي بالاسم، فهو متعلم ومثقف وتجربته الحربية فقط تجربة معرفية، في حين يرى إياغو نفسه رجل الحرب والدولة الأكثر أهمية!

الملفت للانتباه أن عطيل خنق زوجته، بعد أن طلب منها أن تصلي كي تطلب الغفران من خطاياها، وعندما حضرت إيميليا، زوجة إياغو الشيطان، ظل يردد عبارة لقد شهد عليها إياغو الصديق(بتشديد الدال).

قال الطيب صالح على لسان مصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال: “أنا لست عطيلا، عطيل كان كذبة”….

هل اخترع شكسبير عطيلا كي يعيد تخييل سياق عصر النهضة الأوروبي بما يخدم ثنائية الذات الأوروبية المركزية والآخر المختلف، العقلانية والهمجية، العلم والسحر، والحضارة مقابل البربرية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى