فن

صفاء حطاب: فيلم (فرحة) وعبقرية الصورة

أبدعت المخرجة الأردنية دارين سلام في اشتباكها مع قصة قد تكون أحداثها حقيقية، ولكنها في الواقع هي سردية النكبة في وجدان كل فلسطيني عاشها أو حرّ سمع عنها.

قصة فتاة فلسطينية جميلة وطموحة تحلم بإكمال تعليمها ولديها الكثير من الأحلام الكبيرة التي تصطدم وتتحطم بحدوث النكبة… هذه الكلمات المحدودة تم تصوير تفاصيلها بعبقرية وحرفية وتكثيف ورمزية فائقة، اختزلت تاريخ ووجدان ومشاعر وتفاصيل مؤثرة حملت قصة النكبة الحقيقية من منظور فني راقي.

اسم الفيلم (فرحة) فيه من الرمزية والتحفيز لتوقع القادم، فالفيلم يحكي قصة الفرحة الغائبة بقتل الأحلام واحتلال الأوطان وتشريد أهلها. يبدأ الفيلم بتصوير الجمال والسعادة من خلال لقطات لأماكن فيها نور وأشجار وطبيعة خلابة، وكان بطء تطور الأحداث وقلة الحوار في أول 22 دقيقة مناسبا للتعبير عن تصور الكاتبة ورؤيتها وضروريا لنشعر برتابة الحياة الطبيعية وجمال تفاصيلها، كحياة أي مجتمع آمن ومستقر، وكانت قطع الذهب المتراصة على رأس فرحة بالرغم من أن ارتداءها جزء من التراث الفلسطيني ودلالة على الثراء والمكانة الاجتماعية المرموقة، إلا أنها هنا رمزت للمعان عقل فرحة وذكائها المتقد وتحفيز المشاهد للتفكير بما كانت ستصبح عليه فرحة فيما لو بقيت حياتها طبيعية ومستقرة.

فكرة الفيلم تقوم على حجز فرحة في غرفة المونة من قبل والدها أثناء اقتحام الإنجليز للقرية حفاظا على سلامتها، على أمل أن يعود إليها بعد تحسن الأحوال، بعد أن رفضت ترك القرية والذهاب مع أقرباء لها إلى المدينة بالسيارة التي أخذت من فيها إلى الشتات، وتبقى فرحة سجينة تحاول الصمود لحين عودة والدها الذي لا يعود أبدا، وتستمر على هذه الحال لأيام تراقب تهاوي وانهيار الوضع وجرائم الأعداء من داخل محبسها..

فكرة حجز فرحة الجميلة صاحبة الأفكار والإبداع في غرفة مغلقة معزولة عن محيطها تماما، ولا تستطيع تبين ما يحدث حولها من أحداث كالأعمى تماما، تكثف ما عاناه الفلسطينيون من عدم وضوح الرؤية وقت حدوث النكبة.

تبدأ الحكاية من هنا، وكأن الفيلم يقدم تأريخا لنضال الشعب الفلسطيني بالصور من خلال مشاهد غاية في الإتقان كتابة وتنفيذا وإخراجا.

يقدم الفيلم تفاصيل فنية مدهشة فالصمت العميق في فترة حبس فرحة كان عنصرا من عناصر الحكي المناسب لما يريد الفيلم أن يقوله، فلم يبقى لفرحة إلا ذاتها وإمكاناتها للنجاة مستقبلا. فتحاول الصمود وإيجاد الحلول فتشعل مصباح الكاز، وتقرأ في رواية، وتبدأ بمحاولة تسخير الإمكانات الصعبة المتوفرة لديها، فتشرب من ماء حفظ الجبنة المالح، وتأكل من أطعمة مجففة، وعينها على طاقة تدخل الضوء تأكيدا على الأمل بتحسن الأحوال قريبا، ثم تطول المدة وتحتاج لتلبية احتياجاتها الإنسانية التي نقضيها عادة دون تفكير بها، إلا أن فرحة أصبحت سجينة الظروف تماما وتم تصوير ذلك بتغير شكلها، وبرسمها للشمس على حبة بطاطا وأصوات الحشرات تتطاير حولها، فكل ما يخص حياتها من تفاصيل أصبح صعبا جدا.

يبدأ اليأس يتسرب إلى نفسها، ونرى ذلك باستدعائها لأغاني وأهازيج الفرح في المنام، فهي تحلم بالفرح الغائب. ثم تحاول استخدام الخنجر في فتح الباب، وهنا الإشارة إلى مرحلة المقاومة بما تيسر من إمكانيات.

ثم تأتي العائلة الفلسطينية التي تمر بجوار بيت فرحة، لتمثل قصة كل فلسطيني عانى من انعدام الأمان والخوف على عائلته ووأد أحلامه تماما، فزوجته في مرحلة المخاض ويقوم بمساعدتها على الولادة، ويأتي ولد (محمد) إلى الدنيا، وفرحة تراقب ما يجري بعين العدالة السجينة والصوت المخنوق وانعدام الرؤيا.

ويلخص المشهد معاناة أهل مدن وقرى فلسطينية كثيرة من خلال مشهد العائلة الذي ينتهي بقتلهم، واعتداء الجنود الذين يتكلمون العبرية عليهم، وكان مشهد الزوج موقوفا من قبل المحتلين في إطار القنطرة الحجرية والباب الخشبي المكسور يعكس الضيق وتقييد الحرية التي كان يعاني منها الناس، وإهانة الزوجة، وسرقة حلقها إشارة إلى سرقة كل شيء من قبل الأعداء، وتم التركيز على رمزية المفتاح والحرص على الأرض، فالمفتاح كان مخفيا في ملابس الزوجة عند صدرها، وعندما أخرجته المجندة قالت للزوجة بسخرية (احتفظي به سوفونير) أي تذكارا، بمعنى أن الأمر انتهى ولم تعودوا أصحاب المكان. والعميل الخائن (المترجم) الذي يعاني من صراع داخلي لكن ذلك لا يدفعه إلى مساعدة فرحة بالخروج من سجنها، ويبقى خائنا.

ثم نرى مشهد الجندي المحتل الذي يتردد في قتل الطفل الفلسطيني الناجي، ويتركه ويهرب باكيا، هنا تصوير للصراع الإنساني ومعاناة جميع الأطراف الجلاد والضحية في لحظة ما.

تبدأ هنا مرحلة جديدة وهي شعور فرحة بالعجز التام، ثم يعيد لها صوت الطفل الباكي خارجا روح المقاومة، فتدخل في مرحلة الغضب وتبدأ بتكسير كل ما يحيط بها من أواني، وتبدأ بالغناء له من وراء الباب الخشبي، لكن دون فائدة.

بعد أن تتماسك تجد بين حبات العدس المنثورة من أحد الآنية المكسورة لفافة فيها مسدس وأخرى فيها رصاصات، إشارة إلى بدء مرحلة المقاومة المسلحة المحدودة.

فتفتح رصاصاتها ثقوبا من نور في الباب الموصد، ثم ينفتح الباب على المصير المجهول تماما، وتجد الطفل ميتا إشارة إلى التضحيات والخسائر الفادحة

تذهب فرحة إلى النبعة رمز الأمل وحب الحياة، في قرية هجرها سكانها، وعينها على الحرية البعيدة (سرب طيور في السماء)، تستحم فرحة بمياه النبعة المنهمرة من الأعلى، تأكيدا على التجذر والتسلح بقوة إيمان عليا.

ثم تدخل في مرحلة استيعاب الواقع المر والجديد، وتجلس في نفس المكان الذي كان مسرحا لأحلامها الجميلة المشروعة، وهي فرحة جديدة وحيدة مشردة، ثم تسير في طريق مجهول إلى غير هدى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى