كتاب

ميمونة الشيشاني: مراجعة لرواية ” أنتَ طالق”

تتشظَّى القوارير.. تَتَبعْثرُ شظاياها في المدى لحظةَ امتلائها بحِمَمِكَ اللَّاهبة.. لكن احذر يا مُحطِّم رقَّتِها.. ومُلملم أحزانِها.. ومُكسِّر أجنحتِها.. شظاياها ستخترقُكَ لا محالة.. والدم لن يتدفَّق إلَّا من قلبكَ..

هكذا قلتُ في نفسي عندما التهمتُ السَّطر الأخير من الرواية.

رواية ” أنتَ طالق” للكاتبة “هبة فراش” وضعتْني على القارَّة الثامنة من القسوة، وجعلتْني أذوق عذابات آدم لحوَّائه، وأجبرتْني أن أختبر مرارتَها بنفسي، لكنَّ الأقسى كان ظُلم حواء الناضجة لحواء الغضَّة، والأمرُّ خيانة حواء الصديقة لقلب حواء التي تعلَّق فؤادها بقشَّتها وهي في رمقها الأخير من التعاسة، وفي ساعتها الآزفة من البؤس.

رأيتُ في بعض الأروقة المُظلمة من الرواية أنَّ حواء أيضًا تستطيع أن تبني عالمًا من الزيف والجبروت فوق رأس آدم، إن كان زوجها فربَّما تدوسه حيًّا لِتَحكم مملكة بيتها وفق قوانين تدمِّر بها حياة أبنائها ظلمًا وتعسُّفا، وتحوِّل بيوتهم إلى ركام، وقلوبهم إلى أعجاز نخلٍ خاوية.

 وخلصتُ إلى نتيجة أنَّ الظُّلم لا يعرف جنسًا، ولا عمرًا، لا زمانًا ولا مكانًا، لا فقيرًا ولا غنيًّا.. و” أنت طالق ” بكسر التَّاء أو بفتحها هي الخلاص أحيانًا من الشَّر المطبق، لكنَّ حروفها تستهلك الكثير من الصَّبر لِنُطقها، تحتاج الكثير من الجرأة، والتَّضحية للإقرار بها، وربَّما تحتاج موتًا سريريًّا في المشاعر، أو أملًا صادقًا بغدٍ أفضل للمطالبة بها.. 

في الوقت الذي تشتبكُ عيناك بالكلمات الأولى من الرِّواية تعلق في سطورها الحيَّة، متاهاتٌ كثيرةٌ تخشى فيها المُضيَّ قُدمًا لكنَّك تتوق إلى المخرج، تتلهَّف إلى الخلاص من كلِّ شيءٍ يُدنِّس العلاقات الإنسانيَّة، يُزيِّف الحُب، يلوِّث الصَّداقة، تتمنَّى تخطِّي لحظة يسلِبُ الآخرون فيها حقَّ ” حور” باتِّخاذ قراراتٍ يوميَّةٍ عاديَّة، يخترقون خصوصيَّاتها، يستعبدون حياتَها، يتملَّكون جسدها، فيَعْرضونه وكأنَّه آلةُ تفريخٍ مُعطَّلةٍ على عشرات الأيدي التي تُحاول إصلاح العُطْل دونما أيِّ رحمةٍ من وخزة ألم، أو نقطة دم. تودُّ لها الهروب من أنياب موتٍ تنهش دون سابق إنذارٍ روحًا تتعلَّقُ بضيائها، فينطفئ قبس كونِها، وتسير على غير هدىً في دُجى دربِها المُحْرَق.

” أنتَ طالق”… همسةٌ زلزلتْ كيان آدم( رابح)، صرخةٌ أصابتْ رجولته في مقتل، درسٌ أيقنَ من خلال لسَعاتِه أنَّ حوَّاء وإن صبرتْ على ظُلمه فلابدَّ من ثورةٍ تجعلُها تقلِبُ الطَّاولة على قلبه، تُجفِّف بها منابع دمعه، وتجعلُه في رمشةِ عينٍ ريشةً في مهبِّ الرِّيح، لابدَّ للشَّرنقة السَّوداء أنْ تُحلِّق فراشةً في الأفق الأزرق، ولابدَّ للكابتن رابح أن يذوق طعم الخسارة اللَّاذع!

لقد أبدعتْ “هبة فراش” في تصوير مشاهد الظُّلم، الإنكسار، الذُّل، التصبُّر، الحنين، الفقد، الحُزن، الفرح، الأمل، الضَّعف، القوَّة.. من خلال تطويع اللُّغة وجعلها تسير في فلك مقاصدها بيُسرٍ ولين، تأخذُ من الشَّمس لهيبها، ومن القمر ضياءه، تستعير من الأرض صلابتها، ومن البحر إلجاجَه، ومن الكتاب قوَّة عباراته، ومن الأب حبِّه وحنانه.. ووظَّفتْ العالم الإفتراضي الأزرق لكشف غياهب المشاعر، وجعلتْ للقصَّة أبعادًا مكانيِّةً لمَّا تنقَّلت المحادثات بتوقيتها المُحدَّد بين عَمَّان ودبي والكويت.

واستطاعتْ برشاقةٍ أن تنقُلنا عبر صفحات روايتِها إلى أرصفة الخريف المُشبعة بالأوراق المُصفرَّة التي تساقطتْ قهرًا، وإلى بساتين الربيع الفيَّاضة بأزهار الأقحوان التي تفتَّحتْ حُبًّا، وإلى الطُّرقات المُقْمِرة التي يتساقط فوقها حُزن السَّماء مِدرارًا.. تنقلُنا بحرفيَّةٍ من غرفةٍ تضجُّ بالحياة، إلى أُخرى يُشيِّعها الموت، ومن رُكنٍ مُبعثرٍ تمْقُتُ ضوضاءه، إلى ركنٍ تخالُه امتدادًا لبحرٍ ساكن.

تمكَّنتْ الروائيَّة “هبة فراش” من جعلنا نتساءل عن السَّعادة وماهيَّتها، وعن حاجات الإنسان التي قد يعبُر بها الجسر نحو ضفَّة الطُّمأنينة والاستقرار، استثارتْ العواطف والغرائز، وأشعلتْ فتيل كلٍّ منها على حِدَة ، فمِنْ عاطفة حُبِّ الأب إلى غريزة الخوف، ومن عاطفة العشق إلى غريزة الأمومة، ومن عاطفة الغضب إلى غريزة التَّواصل الإجتماعي.

 وخَلُصَتْ في النِّهاية بأنَّ السَّعادة نسبيَّةٌ لا يمكن أن تتحقَّق بتحقُّقِ حاجات الإنسان اللَّحظيَّة، فهو لا يُحسن تقدير ما يملك في كفِّه من حبٍّ واهتمامٍ إلَّا عندما يُضيِّعهُما في نزوةِ غضب، وانصياعٍ لأوامر هتك الحُبِّ.

أشارتْ الكاتبة بطريقةٍ ذكيَّةٍ إلى طريق الخُروج من مأزق المجتمع الذكوريِّ الذي تُساهم _ للأسف_ الكثير من النِّساء المُتسلِّطات بنموِّ أذرعه، وذلك بالعِلْم والثَّقافة من خلال القراءة، ومعرفة الحقوق والمُطالبة بها، وعدم الإذعان لسياط الذُّل النَّفسيِّ والجسديِّ، ولمَّحت السُّطور بأنَّ التَّصدِّي الجزئيِّ للمشكلة قبل حدوثها يكمُن في عدم قبول زواج القاصرات، أو الموافقة على الزَّواج في عمرٍ غضٍّ.

سألتُ نفسي عندما وصلتُ المنعطف الأخير من الرِّواية: ماذا لو جرت الأحداث بشكلٍ معكوس مع حور؟ ماذا لو قدَّم رابح لها الحُبَّ المُعلن والاحترام والاهتمام على طبقٍ من ذهب؟ ماذا لو أعانها فيما يؤرِّق ويُكدِّر نفسها؟ ماذا لو أنَّه غلَّق الأبواب عن من يسعون في خراب أُنْسِه واحتضن قلبها ذات لحظة؟ ربَّما عندها ستقفُ في شُرفتها تخالُها مركز سعادتِها، وتُلقي كلمات كالقصيدة تسقطُ زخَّات فرحٍ على برميل باحتِهم الخلفيَّة، وتتحوَّل حموضة ثمار اللَّيمون إلى سُكَّرٍ يصنع منه بائعُ “غزل البنات” حلواه ويعزف نوتاتها في حواري المدينة:

أحبُّك.. وتنتابُني موجةُ حنينٍ إليكَ كلَّما تنفَّستكَ عِطْرًا يُبهِجُ يومي

أحبُّك.. ويحتلُّ عشقُكَ كياني كلَّما مررتَ بقلبي نسمةً أُدمِنُ عَليلها

أحبُّك.. وأنتَ تُخبِّئني في فؤادكَ تُخاف عليَّ البرد والقهر والبَشر

أحبُّك.. وأنت تُدفئ السَّرير لِبَردي

أحبُّك.. وأنت تمسِّد جروح قلبي

أحبُّك.. وأنت تُضيء بأنوارك عتمتي

أنتَ بطلُ روايتي.. إشراقةُ حياتي..أملٌ يطرقُ يأسي.. يدٌ تُمسكُ كُلِّي..

ليتَ الزمن يعود إلى الوراء كثيرًا ليُصلِح ما أفسده بطشُ العاشقين! ليُرمِّم ما هدمه البشر خلال عبورهم! ليُعيد الحُبَّ إلى خارطة الحياة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى