كتاب

الفرات بن علي : قراءة في ديوان شهقات بحاجة إلى اوكسجين

رباعيّاً-

عندما تنبتُ في جلودِنا عيونُ الأوكسجين!

قراءة نقدية في مجموعة “شهقات بحاجة إلى أوكسجين”

للشاعر العراقي الدكتور ضياء الجنابي

الفرات بن علي

من العجيب أن الشعر يداهمنا بصوت آت من جهة الإحداثيات المقنَّعة مفصح عن حاجة ماسة إلى استنشاق الأوكسجين، ولكنه بمجرد أن يشوبنا انتباه ما إلى نبراته التي تثير غواية محبة وإصراراً متوالياً في أن يندفع نحو موسم قطاف متحمس لاختناقه المترادف، كما نظن، مع نوع التجربة، يفاجئنا بلا تحذير بعديد العيون المحدقة، والمحملقة أحيانا، تتداعى من جوانب خفية، وربما مجهولة، سيما أول الأمر، وتنبت على شاكلة استدارات ضوئية تحسن النظر والقراءة في مسامات جلودِنا مرة إلى ذواتنا في ربيئة الأعماق، وأخرى إلى عوالمنا المتموضعة إزاءنا بمشيئة ظمأٍ طويل الأمد له دلالات باتجاهنا ولنا إشارات باتجاههِ، وبيننا وبين صوتهِ تتعاقب وجوههُ المتعددة حيناً فرادى وحيناً مجتمعة.

وعلى هذه الشاكلة باغتني الشاعر د . ضياء الجنابي اختباءًا بـ “شهقات بحاجة إلى الأوكسجين” بداية الحال، إلا أنها سرعان ما تداخلت في عيون ذات لمعان مؤثر تتقدم صوب هواجسي و حقيبتي التذكرية من نواحٍ أربع لوجوهٍ أربعة تشكلت حولي في موقف متحول ومستكشف معاً، ومن شاطئٍ رطب بتصورات مكتظة، جزء منها عبر فعلاً فوق الحجارة والرمال إلى حيث المعنى المأهول بالخطوات الراحلة والقادمة، ناهيك عن الماكثة منذ سوء الفهم الذي احتجز المديات، وجزء ثانٍ سارع بحدود النظر الغائم نحو نفس المعنى ولكن بإضافة امتداد أوشك على الضياع لولا قريحة يحتشد فيها الضوء والظل بغية إلقاء القبض على أفق مفقود، أو زعم بعضهم انه فُقِدَ غير أنه محتجب عن جهة الناظر المباشرة، بينما هو يكرس شوقه بين الجفون، وفي إحدى جهات الحال أو الموقف، حسب الدافع ، يلتحم جزءا وجه الجنابي الأول: –

جزء الخطى-

” كان حزني

عصاي التي أتوكأ عليها في الظلام

وأهشُّ بها على عمري

وحين يهصرني السكونُ

تقصُّ لي حكايا العتمةِ

التي لم يدركها بصري

ولم تكُ لي فيها

مآربُ أخرى” ص 13

وفي هذا التصير، اذ تجتمع ثلة من الشواطئ وتلتف على بعضها، يظهر شسع اليابسة، ليلا، ثم يتقدم تدريجيا نحو الضوء ، فتبزغ الأرض !. والشاعر في الصورة أيضا، بيد أنه يمتد زمنيا لكي يحلم!

وجزء حدود النظر-

” ليسَ هناكَ منْ ساحلٍ

يفي بأن نتأمل فوق رمالِهِ

مراكبَ الذكريات

فكلُّ ما في البحرِ

آيلٌ للغياب ” ص24

فلم تعد هناك نقطة تندمج بها الأرضُ بأختها، ذات الشسع الكوني الآخر، السماء،لكي يحلم الشاعر أيضاً،غير وجههِ فامتزجتا فيه خطىً وحدود نظرٍ ليرتسم على جغرافية الأحاسيس وجه الجنابي الأول “الحالم”:ــ

” مستغرقاً كنتُ بالتدلي

أستقرأ خلجات الضوء

. . .

وكانت الألوان في عجالةٍ

تزدحمُ في قوسها القزحيّ

المتاخم لأحلامي” ص١٢.

وأن يحصل هذا التلاحم في قصيدة النثر، أو ما قبل الوزن الخليلي كما أدعوها، يستلزم رشاقة إيقاعية لا تتقاطع مع التفعيلة بأسبابها وأوتادها، لان هذا المنوال جوهري لا يمكن تخطيه عربياً سوى بالصمت أو خسارة الناطقية، وعليه يبنى الجرس حسب صياغة الشاعر له بين التفعيلة ومثيلتها أو التي تغايرها باجتهاده المحض التلقائي غير المصطنع، وفي هذا تتحد الحرية مع درجة الصعوبة البالغة فتتميز القصيدة حقا عن مجرد الخطاب النثري العادي.

مثال تطبيقي :-

ليس هنا – ك من سا – حلٍ يفي

مستعلن- فعولن- متفعلن

بأنْ نَ – تأمْمَ – لَ فوقَ – رماله

فعولُ – فعول – فعول – متفعلن

مراكب ٱ لْ – ذكريات

متفعلن – فاعلات او فاعلان

فكلل ما – في البحر آ – يلٌ للْ – غيابْ

متفعلن – مستفعلن – فعولن – فعول ..

” كتابة عروضية مختصرة “

وإزاء الحلم وضفافه، وكونهما شهقات تتقمص ملامح صورة جدلية ذات اختيارين متعارضين ومتلازمين في نفس الوقت ،الأرض والسماء، ينهمر مناخ تركيبي من عناصر متعددة تارة، وتارة ثانية مناخ تحليلي من ذات العناصر أو غيرها ،متباعدة بهيئات منفردة تجتهد حيوياً في أن تتقارب بهدف توليف حوادث شعرية مركبة، وربما حادثة واحدة واسعة بصيغة ما تتضمن نزوعا تحليليا ثانية، في نطاق لا يتوقف من التوالدات والتواصلات الفاعلة المنفعلة بعثا لوجه آخر للشاعر، يجوز أن يشتمل على “الحالم”، وقد لا يشتمل عليه، ولكنه صورة حية لا تتعارض وجدانياً معه رغم بنائيتها المختلفة.  ولما كان النوع البشري ينبعث من عنصرين أساسيين هما الذكورة والأنوثة، فالتركيب هو اتحادهما والتحليل هو ابتعادهما عن بعض في آية شاكلة، أما عناصر المحيط موضوعيا فهي ملحقة بهما تتحرك أو تتحول وفقا لحركتهما وتحولاتهما الوجدانية المتسقة وأوضاع الجسد وتموضع الطبيعة بتفاصيلها كافة معه، وانطلاقا من هنا يدمج الدكتور الجنابي بين الحب واللذة على امتداد مسافات تطول وتقصر، كما يشاء، أو بالأحرى كما يتبنى وجهه الثاني التجربة البشرية والذي يتبلور من خلال أحوال تصويرية أخاذة نابعة من جوهر الطبيعة النفسجسمية بهيئة ومحتوى “العاشق” .

وهاهو المركب المناخي في حال شعري تأسيسي يستحوذ على أطول لحظة إشكالية من الزمن، فالبرية البكر تزمجر بعنفوان الخلق الأول في منتصف شارع مزدحم بالسيارات والمارة في مدينة إسفلتية متراكبة على بعضها حتى مناطحة السحاب ومع ذلك فهي هشة للغاية في مواجهة نهوض شجرة التكوين من جوف ارض لا تزال حبلى بوقت الجسد حيال حدقات تتلامع من بصر حديد يأذن للأوكسجين بالاشتعال.

“تلتفُّ حول خصرِ الريحِ

يداي المبتورتانِ

فتنزُّ تحتي أنوثتها

تشاكسُ ما تحرِّكُ من فحولتي ..” ص 23

فأيُّ “عاشقٍ” هذا أنثاه ريح عاتية وليلتُهُ عواصفُ تزأر ؟!

اعتقد جازما إن هذه الصورة الفاتنة تستمر بالتوهج وتفجير أضواء الرعود، بينما تخمد إلى جوارها كافة “الومضات” المزعومة !، فلقدزهق البصيص المضمحلُّ وجاء حريق النور، وبتناسق ديناميكي يتبلور “الإيقاع” :-

تلتفُّ حَوْ – لَ خصرِ ٱرريـ – حِ يدا –

مستفعلن – مفاعيلن – فَعِلُنْ –

يَلْمَبْ – تورَتا – نِ تَنِزْ ” بلا فاء ” – زُتحتي –انوثتُها –

فَعْلُنْ – فاعلُنْ – فَعِلُنْ – – – – – — فعولنْ –مفاعَلَتُنْ – 

تشاكسُ ما – تحرِّكُ منْ – فحولتي-

مفاعلَتُنْ – مفاعلَتُنْ – متفْعلنْ –

” استبعاد حرف أو أكثر في التطبيق وجهة نظر شخصية ” أما المناخ التحليلي فيعرض حيويتهُ هو الآخر:-

” ذاتَ حبٍّ

كانت كلُّ بسمةٍ من عيونها

تدغدغُ الأحلامَ

في دفاتري

تحت قميصِ الغروبِ المفتّحِ الأزرارِ

وكلُّ تنهيدةٍ من صدرِها المشاكسِ .. ” للثيابِ ” – أفضل  استبعادَها –

تشعلُ الأسرارَ في كهوفِ الجسدِ

حينَ يخلدُ العشّاقُ للبوحِ

لكنَّ المواعيدَ مثلُ عربةٍ بعجلةٍ مكسورةٍ

في سوقٍ مزدحمِ ٱلهموم .” ص ٢٢

إن الحب الذي يكشف هويته، عبر عيون ” العاشق ” الأوكسجينية، في مناخ تذكري مستدعى بهيئة مركب يتداعى ليناً وشغوفاً راجعاً بقوةٍ إلى “عناصرهِ” في لوحة “تحليلية” عفوية التعنقدِ تتوالى تفاصيلها حتى يخيل للقارئ أنها سوف تفترق بلا غاية، أو إلى لا شئ، غير أنه سرعان ما يعثر على تصوراته تتحلل هي الأخرى متقدمة بعفوية أيضاً إلى مشهدٍ مفتوح من قلق الحياة المصيري ينحته أزميل الشاعر ببراعة مستضيـئة من الماء والحجارة تثير الاستغراب والإعجاب سوية.

والمخطط التالي، بجواز التعبير، يشرح الفعالية أعلاه:-

“ذات حبٍّ (مركب تذكري) – مناخ تحليلي – كل بسمةً (عنصر) ثم  قميص الغروب (عنصر ثانٍ) ثم تنهيدة (عنصر ثالث) ثم العشاق (عنصر رابع) ثم مثل عربةٍ (عنصر خامس) بمثابة مدخل للتحول نحو المركب الجديد “سوق مزدحم” .

وأعلاه حالة شعرية غنية ومؤثرة تتميز بطاقة راسخة لا ضباب ولا غبار عليها إلا أنها لم تكمل الاستحواذ على خصوبتها تماماً وانسيابيتها التصويريتين لكونها، بنظري، أثقلت المناخ الصوري بمفردة نتوئية لا ضرورة لها مضموناً وشهوداً هي (للثياب)، كما أنها منعت اللوحة الفنية الحميمية من جرس موسيقي معبر جداً عندما قطعت سلسلة (التنوينات) المذهلة وأضافت لفظة “مزدحم” إلى لفظة “الهموم” ولم تنونها، علاوة على إن اللفظة الأخيرة بحاجة إلى توتر إيقاعي يحقق ولادة المناخ التركيبي الجديد بقوة جذب لافتة، إما الصيغة الإيقاعية المناسبة، برأيي الشخصي فهي:-

” مثلُ عربةٍ – بعجلةٍ – مكسورةٍ –

في سوقٍ – مزدحمٍ – بالهموم ” .

واعتقد أن تأثير  “الباء الجارة”  أشد من اثر الإضافة هنا سيما أنها تتحلى بخاصية الممر أو الواسطة لما بعدها لفظاً ومعنى. وفي تجلٍّ آخرَ، لا يقلُّ جمالاً عما سبقَ وربما يزيد عليهِ ، تتوهجُ صورةُ وجهِ “العاشق” في حيوية عنقودية من طوري التركيب والتحليل تتضمن أحداهما الأخرى، غلافاً وبطانةً، تتخطى التخيل الوصفي في نطاق من الإيحاء المشهدي الساخن كأنه مسرحة طليقة للغة عبر أجواء صافية  من ” الديكورات والإكسسوارات”، إذا جاز القول، تتكفل بها معاً إيقاعات ساحرة بصيغة تعبيرية داخلية بين الكلمات الممسرحة ضـمن الشطر الواحد، وخارجية عن طريق تدوير حركات نهايات الشطور طوال الحدث الشعري في “برزخ الصوت والطين” . ص ٢٩- ٢ ٣

“نواحكِ المسكونُ بالخرافةِ القديمةِ

بدمعِ الزوابعِ الغابرةِ

جديرٌ بخرائبي.”

(مناخ مركب من عنصري تحليل هما نواحكِ وخرائبي)

“حزنكِ المسوّرُ بأسيجةِ الطينِ المتصلصلِ

يليقُ بموتي.”

(مركب من حزنكِ وموتي)

“كلانا أزليٌّ

كلانا فانٍ

كلانا متنافران حدَّ التوحُّدِ

متوحدانِ حدَّ النفورِ

منصهرانِ حدَّ الاندكاك والتماهي”

(تحليل وتركيب “كلانا”)

وألاحظ ، مستمتعاً مقتنعاً، انسيابية جدلية غير مفتعلة بين المركَّب الأول باعتباره (أطروحة) والمركَّب الثاني باعتباره (طباقاً) وصولاً لحصول (المركب الجديد) من “كلانا” وتحولاته الذي يؤلف غلافاً شفافاً لامعاً  لجدل “أضداد”  خلاب متمثل في “أزلي، فانٍ، متنافرا ، توحد، نفور، منصهران، اندكاك وتماهي”، وعلى هذا السبيل، حسب رؤيتي، تواصل القصيدة جمالياتها بدون أن تحشر مدلولاتها في زقاق الفلسفة المزدحم بمناهضي “الذاتية” التي هي بلا شــك “آلهة الشعر”، بل على العكس أجد الفلسفة هي من عثرت على نفسها في رؤى القصيدة وأعربت عن ذلك تقديراً للفتنة. ونحو جهةٍ أخرى، غير قريبة نوعا ما أو هكذا تبدو للوهلة الأولى، يتمدد “برزخ الجنابي” في محاولة صريحة تشبه المغامرة بحثاً عن وجهٍ ثالثٍ يفاجئ به دخيلة وموضوع العالم الذي يتسع هو الآخر من طرف تعنقد الإشكاليات ويضيق كأنه يختنق، أو يختنق فعلا ناحية مكاشفة الخليقة بمصائرها المفروضة عليها، وحيال “كيان حجري” يصمم بقياسات غاشمة حتميات قاهرة على أغلبية قاطنيه، يستغرق الشاعر في انجاز مهمة معاكسة تفتش عن مضمون “إبداعي” لصرخة الحرية والجمال في مواجهة الطغيان والبشاعة، فتعرض مسمى الحال أو الموقف أولا، كما اكتشفت، ثم تنبئ عن مضمون ذلك ومستوياته الخلاقة فيما بعد.

وفي البداية، لا اكتم سراً، وضعني الأمر في زاوية لا احسد عليها إذ كيف أطلق العنوان أو الاسم الذي أراده الشاعر من جنبة المتلقي وأنا بعد لم أصل لمكنونه الجوهري الذي بخلافه يكون موقفي تابعاً مسطحا لا يمت لفحوى الإضافة المستهدفة بصلة. لقد أعلن “د. الجنابي” في مقتبل المجموعة إن وجههُ الثالث الذي يطالنا بعيونه الأوكسيجينية هو “المغني”.  بينما لم يفصح عن محتواه ودلالات فاعليته إلا في آخرها تقريبا، ولم اكتشف هذا أول الأمر حتى حسبتني انزلق باتجاه إحباط وتشتت عانى منهما الشاعر،على حد زعمي أولا ثم انسحبا عليَّ و تلبسني انسدادهما، ولكن .. مع إصراري على اكتشاف المحتوى الذي كنت على درجة معمقة متيقناً بوجوده في وعي الشاعر وصفحات مجموعته التي لم تبخل عليَّ بالتورط الجمالي فيها وجدت، بعد عناء، إن الذي يدعى “المغني” كان ، ابتداءًا ، ينشد ويعزف على “اللحم الحي” العريان حباً وغضباً إلى أن اخترق جلد الإحباط السميك بجراح الحب ونزيف الغضب ناشراً على أحاسيس الطبيعة مستـويات ثلاثةً من تحولات “الأغنية” المضيئة والمغامرة في آنٍ معاً وذلك في الجزء الأخير من المجموعة، مما بعث في تشوفاتي أرواحاً من الشوقِ تستجيب بلهفٍ إلى نزوع عنقودي مغرٍ جدًا يجمع، بنظري بين الرائي والمفكر بشعرية غالبة :-

” أجهشتُ بالبكاءِ هذا الصباح

ونظّفتُ حنجرتي

من بقايا حروفِ الفرحِ النّاشزِ

ورطّبتُ ضميري بالحزنِ الجميلِ

وسأخلعُ جلدَ الفريسةِ الممزَّقِ عني

وأغني بلحميَ الحيْ” ص 15

وأشير هنا إلى إنني لم يطرق سمعي ولا وقع بصري على مغنٍّ ينشد بلحمه الحي في الماضي وبهذه الحماسة والوهج المتفجرين، فضلاً عن هذا التحول العميق المغزى من الأفعال الماضية “اجهشتُّ، نظفتُ، رطبتُ” إلى “سين الاستقبال” ثم إلى الفعلين المضارعين “أخلعُ، أغني” اللذين يضغطان على أن هنالك، بلا ريب، زمناً استغرقه المغني أثناء توالد أحواله من موقف سابق إلى مستويات مواقف متجهة نحو كثافة تحولاته في الأغنية، خصوصا وانه بأعلى صوتهِ يرسّخ أن علَيَّ “إشهار أغنيتي المؤجلة” ص١٦

تطبيق ايقاعي:-

هلْ مَنَا – ك بلْ أرْ – ض تكفي –

فاعلن – فعولن – فعولن –

لرسمِ دهـْ – شتي عليها

متفعلن – متفعلاتن –

وتستوْ – عِبُ فَرَ – حِ لْهاربْ

فعولن – سببان ثقيلان – مستفعل او فعْلاتن

وحدها – تلكلْ -موجةَ في – عينيك ” ي ” اشباع

فاعلن – فعْلنْ – مستعلن – مستفعلْ او فعْلاتن

قادرتن – على لمْ – لمةِ شعْ – ثِ أحزاني

مستعلن – فعولن – متعلن ” سبب ثقيل ووتد مجموع ” – مفاعيلن

وتمززي – ق دفترطْ – طلاسمِ ” ي “إشباع

فعلاتن – متفعلن – متفعلن  –

وإشها – رأُغْنِ -يتلْ مؤجْ – جَلَهْ “تسكين وقوف”

فعولن- فعولُ – متفعلن – متفْ أو فعوْ ” وتد مجموع “

انتباه :-

في الكتابة العروضية لا يجوز غير توظيف حركتي ” الفتحة والسكون” لكنني وظفتُ الحركات الأخرى للإيضاح، ومن حركة الأسباب والأوتاد – التفعيلة – الإيقاع اضطراداً يؤسس الشاعر وهو في حال “المغني” ثلاثة مستويات من التحولات التي لكل واحد منها موقف تعبيري إزاء أحد مشاهد الحياة . فالواقع في جانبه الأفقي، كمستوى، يحتشد فيه المكان والزمان والإنسان على صيغة “حدث” تتفرع منه “أحداث” صورية مركبة في نطاق دلالات الأغنية ضمن أجواء الموضوعة، وإشارات الأخيرة، إجمالاً  أو تفصيلاً ، في أجواء الأغنية، كما يتبلور ذلك في قصيدة “وشائج الوحشة” :-

مستوى “الواقع” ص ١١٩- ١٢٠ ..

من “الظل” إلى “منديل الأيام” ينسج الشاعر يافطة معانٍ تتجه إلى توليف انشغالات تتمدد على ممكنات متدافعة بنسق جذاب نحو فرز تضاريس وهواجس “وقائع” يسحبها وجع الشعر على ملامح كل

ما يصادفه أو يتراصف في مدى ناظره من أمكنة، ربما هي غريبة عن بعضها، بيد أنه، أي الشعر، يضفي عليها صلات من القربى إلى حد النسبة والتلاقح شروعا من “مطاف الحكايا” إلى جري “الثواني، المديات، مسامات العمر، كلمات البرية” وصـولاً إلى ” مدفن الأحلام” الذي يستكمل مستوى “الواقع” من غير تعرجات وانحرافات وكأن “المغني” قد دوزن  حركة التفاصيل الجمة طبقا لجوقة آلامه المتوفزة، ومع ذلك يصرح بعنفوانٍ منتشٍ انهُ “لم يستنفذ ألمهُ بعد” وكأنه بغير الوجع الطافح لا يستطيع محاكمة خرابٍ بات يتفاقم موضوعياً ويزحف مهووساً نحو بصيرة “المغني” التي تتشكل هي الأخرى بإرادة جمالية متفاقمة جراء العذاب المفروض، ليس مازوكياً، في بوتقة تصيّر يتهم ويدين وفي جراحاته برهان قاطع بان وعيا ناهضاً يستقطب الحركة فيجمع ويفرق مؤشراً الجريمة .

وهذا، باعتقادي، ما يتبلور فيه مستوى “وعي الواقع” لدى مغني  الدكتور الجنابي .. ص ١٢٠-4 ١٢ .

إذ إن “المسافات القلقة، قيامة الذهول، ذؤابات المخاوف” تجتمع أمام بصيرة الشعر لكي يمعن النظر والفهم في ركن الجريمة الأول، “تفريخ الأهاويل في تصوراتنا” !، ولكن الخراب، هذا الموروث المشتبك سلباً وإيجاباً، ذو “أكثر من فم مفوه” ربما يحاصر بها ناحية البزوغ فـ ” للضوء فمٌ لا يجيد غير التأتأة !” فلا يجد المغني غير “تفريق” السؤال الجوهري “لماذا تحدث الجريمة؟!”  الى عدة أسئلة حتى يولد وعي الإدانة في مـسقط رأسه التاريخي المتمثل بـ “فوق الواقع” ليس كما رآه السرياليون فقط، بل بإضافة يتميز بها الجنابي هي التنقيب في وجوه التجربة أثناء بث الأسئلة الجديدة والمرحَّلة في نفس الوقت.

س١:- “لماذا كلما غنيت ..الخ .. ؟! “

س٢:- “لماذا شقائق النعمان .. الخ .. ؟! “

س٣ :- “لماذا تهب الزنابق.. الخ .. ؟! “

س4 :- “لماذا العيون .. الخ ..؟! “

س5 :- “لماذا الحروف .. الخ .. ؟! “

س٦ :- “لماذا كلما توهجت .. الخ .. ؟! “

ثم ينتقل الجنابي بعفوية ومرونة تبعثان على الإعجاب إلى المستوى الثالث من حالة “وجه المغني” آلا وهو مستوى “حقيقة الواقع” الكامن في “عمق التجربة “أو في” جوانياتها “حسب أغلبية مذاهب المتصوفة التي يقترب منها شاعرنا كثيراً، ومع ذلك كله أراه عن جدارة يتجنب الفلسفة وعقلانياتها المضرة بالشعر، ومعه، أي الشاعر، تبدو جريرة الواقع الأولى انه “خرافة تتراكض فيها الأزمنة” لكونها “تستبيح ما تبقى من طين” كما أن ذراع الواقع هي “شفرة الآلام” التي “تنمو كأدغال السكوت”  لكي تطمس صور المعاناة المريرة حتى بأصابعها التي تكرس ” التشويش ونتوءات القلق”، لكنه بحيادية سردية يقر الجنابي ، وهو لا يتوقف عن الغناء، بأنه، من منصة جمعية و فردية، ذو “ظلٍّ مرتج مستعصم بحجارة البئر المتآكلة” ص ١٢٦.

يعترف ولا يتنصل من عبء المسؤولية، وهذه شجاعة وذكاء معاً، وتلقاءَ موجةٍ رابعةٍ من عيون الأوكسجين، يغمرنا بها الجنابي ، نكتشف أننا في خضم حنجرة تراقب ببصر محمر الحدقة إلا أنه ثاقب في استطلاع جوانب الإشكاليات، التي حددناها سابقا عبـر وجوه الشاعر المارة الذكر، والتي نسمعها ونراها في الموجة الرابعة تتقدم نحو فضاء التجربة بصوت عالٍ ورؤيا اقتحامية رغم أفول المصابيح والسكوت المريب.

“الدربُ يوشكُ على الانطفاء

واللغةَ تهتكُ أضلعي

ولا أقوى على الصمت”.. ! ص 16٠

والصوتُ لا ينطلق من مسألة عابرة، أو ذاتية فقط، بل هو موقف الضرورة الشعرية في سؤالها الرؤيوي نحو التاريخ.

” يجتاحني السؤال

من الذي يحرق الآخر ؟

الزمن

أم القصيدة ؟ ” ص ١٦٢

والإجابة ، حسب تصوري، تتأتى من خلال ملامح “الوجه الرابع” الذي يرى ويستعرض المشهد الحسي مباشرة.

” عينايَ كانتا تهرولان في الزقاق الممتد

. . .

رأيت المعدان يجرون دوابهم

. . . ،

. . . ،

إلى مائدةِ العشاء الأخير” ص 88

ويرى ويستعرض المشهد العقلي أيضاً.

“أفما آنَ لتلكَ الشهقةِ الغرثى

أنْ تفصحَ عن ذبولِ اللغةِ

وتعرّي عقم المعاجم والقواميس؟

لكي اكتبَ فيها

أو اكتبها . ” ص 4٣

وعلى هذا النحو تتضح صورة “الشاهد” وجه الجنابي الرابع في المجموعة المتحفز “حسياً وعقليا” صوب امتلاك إراداته الجمالية المعبرة عالياً عن مجمل أحواله ومواقفه في الإبداع، والإرادة الشعورية تفتتح تأليف المواقف بصورة متحدية، ربما يرى البعض، أنها تدعو إلى اللاانتماء ولكنها في الحقيقة محاولة غنية لتكريس شهادة نزيهة تواجه العالم وتاريخه الحافل بالجرائم.

“لي من الأبواب المغلقةِ

المشرعة على حجرة القلبِ ..” الواو حشو “

ما يكفي لوصد الشبابيك

وغلق الستائر

وسأحتفي وحدي

دون أحلامي

دون قناديلي

بالعزلةِ . ” ص 44

ونزاهة الشاهد لا تقبل الشك.

” غريب انا بينهم

لأنهم يشاكسون اندلاقات الحنين

الذي يمور في السواقي . “ص48

وألاحظ أن تأثير “يشاكسون” ضعيف إلى حد ما . غير أن الشاعر يستدرك بسرعة مسلطا ضواءاً اتهاميا ثرياً .

موقف مع تطبيق ايقاعي :-

“يقترحون وابلاً من العطشِ

يقترحو – نوابلاً  – من العطشِ ‘ ي ‘ إشباع ‘

مستعلن – متفعلن – مفاعلَتُنْ –

كي يبللوا خرائطَ الوجعِ

كيْ يبل – للو خرا – ئط لوجع لْ-

فاعلن – متفعلن – مفا علَتُنْ

لذي يضجْ – ج ُ في يباب نفوسهم

متفعلن

جُ في يبا – ب نفوسهم

متفعلن – متفاعلن” .. ص4٩

والإرادة الثانية هي “اللاشعورية” التي تغوص وتنهل من جغرافيا “الموروث الجمعي ” إزاء الذات باعتبارها، ربما، “شخصاً آخرَ” على حد تعبير “آرثر رامبو”.

” يتلوى

يستغيث

لأمر ما

ترجل ذات رغبةٍ

عن دوامة التاريخ

بشكلٍ ما

يفلتُ الصمتُ منهُ

ويسعى لفك الرتاج

عن ثغر الخطيئة

بنحو ما

يحيل الصياح المكبل

طيوراً

تفر من زنزانة العدم

فتنز شهوة الشعر

من مسامات البوح

وتدمغني ! ” ص5٧

ولقرب الشاعر من الأجواء والأفكار الصوفية تجلت إرادة “الشاهد” التعبيرية الثالثة بصورة “اعتبارية” انطلاقا من اعتبار النظر إلى “الشاهد والمشهود” من جانب كل منهما إلى الآخر “حلولاً” أو اندماجا إلى درجة التوحد التام الذي يطلق عليه السالكون في “السبيل” مصطلح “وحدة الوجود” من ناحية، ومن ناحية ثانية يصطلح عليه أهل “التناسخ” بـ “وحدة الشهود”، ولا يعني هذا أن الدكتور الجنابي قد استنسخ التوجه الصوفي ها هنا وفرضه قسراً على الفعالية الإبداعية، بل الصحيح، برأيي، أنه قام بملاقحة ديناميكية بين رؤياه الإبداعية والنهج الصوفي أولاً انطلاقاً من قرب المنحيين جوهريا من بعضهما، خاصة في الشعر، الذي يؤلف معظم نتاج المتصوفة، وثانيا تعلقا بمفهوم “التمثل والترحيل” الذي يجمع بين الذات و “الآخر – الموضوع” بحيث يتمثل كل من الجانبين الآخر في ” كما أنه، في نفس الوقت، يرحل أو يسقط “وجوده” عليه. مما ينسجم والتصوف بلا ريب.

” رغم الصداع النصفيّ للرصيف

قد توحدت وحزني

دون علم الوقت

فتجاذبنا المدياتِ المتراميةَ

بين حلمي والطريق

فالأفق رغم مشاكسته

ممهور بهمي

المتسامي على كل الجهات

لكن المرايا مرهقة

يتفصد عليها عرق الغياب ” ص ١٤٤ – 1٤٥

وإلى هذا المطاف تكون وجوه الشاعر الجنابي  الأربعة “الحالم ، العاشق، المغني، والشاهد” قد تمثلت جميعاً بحضور معقول من الضوء والدلالات، كما أتصور، في نطاق مجموعته موضوعة المقال والتي أرجو أن لا يفهم مما سبق أنها تطالع المتلقين فرادى، بل التعبير الدقيق هو أن اجتماعها غالب سواء متداخلة في ما بينها بصورة متوازنة او متغلبة من قبل طرف،أي وجه، على طرف آخر منفرد أو على بقية الأطراف مجتمعة، فضلا عن أن هذه الوجوه لا تمتد على كامل تجربة الشاعر الإبداعية بقدر ما هي نوافذ باعتقادي على تجربته في “الشهقات”، ولكن من الجائز أن يتمدد بعضها أو جميعها في تجاربه الشعرية الأخرى ومن الجائز أن ترافقه باستمرار متصاعدة من مستوى خلق إبداعي إلى ثانٍ، مما يعني أن الفصل بينها في المقال لأمرين ، أولهما مناسبة البحث وضرورة التعرف على خصائص كل منها دون التباس، وثانيهما هو إن التمازج بينها تحصيل حاصل بالنسبة للمتلقي الضليع المهتم حقاً سيما وإن بوصلة تأشير الجهات التاسيسية والبنائية بين يديه.

وبخصوص التطبيقات الإيقاعية الواردة في المقال، فهي كما نوهت وجهة نظر شخصية لا تهدف إلى إلزام أحد بها،  و لا تندفع نحو بعث صيغة عروضية بأية وسيلة تـ “قيد إبداع” البعض من أحرار هذا الزمان، بقدر ما هي دعوة “صالحة ! ” للاهتمام الجاد العلمي في التعبير عن موسيقى الشعر، للشعراء والدارسين على حد سواء من المهتمين بقصيدة النثر التي باتت تنحدر مؤخرا عن ضفاف الموسقة العربية الأصيلة إلى مجرد كلام ركيك السكوت منه أولى. وأخيرا استغرب من شاعرنا المتميز، الجنابي، أن يختتم مجموعته المتميزة كذلك بلوحة “دون كيشوت” ذات الدلالة الانهزامية مهما تبرقعت بالهجاء والسخرية من “أوهام الإنسان”، خاصة وإن مهند الشاعر لم يكن خشبيا إطلاقا، بل هو ذو أربعة حدود، أصيل محشود بعيون ثاقبة رائية على امتداد المجوعة، ولا اعني تقاطعا مني مع رواية “ثير بانديس” المهمة في الكشف عن خواء الإقطاع الغربي في بدايات القرن السابع عشر وكيف أن النبلاء آنذاك بعجرفتهم و”دمائهم النقية!” باتوا مجرد دمى هزلية تحركها أصابع الهزيمة المقبلة سريعاً، بمقدار ما اقصد أنها غير مناسبة كلياً لاختتام مجموعة شعرية ناضجة فناً وهويةً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى