كتاب

وداد أبو شنب : دينامية النصوص الموازية في رواية (كويت بغداد عمّان)

عندما يكتب الشاعر رواية، يكون محورُ الإبداع هو اللغة الشاعرية أو البيان، وعندما يكتب القاص رواية يكون التركيز على الحدث والسرد، وعندما يكتب الناقد رواية يكتمل الإبداع إذ يردّه وعيه إلى المسارات الحقيقية للكتابة الإبداعية الخاصة بالرواية وتقنياتها، فيقنِّن وعيُه لا وعيَه أثناء رحلة الكتابة الروائية..

عندما بدأت بقراءة رواية “كويت بغداد عمان” للصديق الروائي أسيد الحوتري: قلت هذه رواية!! أنا أقرأ اليوم رواية حقيقية!! في زمن ذابت فيه الحدود بين الأجناس.. وضاع التجنيس وضاعت معه جودة الكتابة.

دينامية النصوص الموازية في رواية “كويت بغداد عمّان”، عنوان ما سأناقش فيه حركية النصوص الموازية وما الذي تضفيه على النص، والإنتاجيةَ التي تمارسها على النص الأصلي ومدى فاعليتها لدى كل من المرسل (الروائي) والمرسل إليه (المتلقي– القارئ).

أسيد الحوتري

النصوص الموازية، أو ما سمّاها سعيد يقطين بالمُناصّة أو المناصصة(1) paratextualité، وفضّل محمد بنيس ترجمتها بالنص الموازي وهو تلك “العناصر الموجودة على حدود النص، داخله وخارجه في آن، تتصل به اتصالا يجعلها تتداخل معه إلى حد تبلغ فيه درجة من تعيين استقلاليته، وتنفصل عنه انفصالا يسمح للداخل النصي، كبنية وبناء، أن يشتغل وينتج دلاليته”(2) ، كما أسماها الفرنسي جيرار جينيت paratextualité، وهي التي يكوّنها المحيط النصّي أو المناص paratexte وتُعدّ بوّابة أيّ عمل أدبي، يدخل منها القارئ إلى نصّه بفكرة مسبقة تمكّنه من فهم النصّ أكثر، أو بالفكرة التي أعلن المؤلّف عنها بداية من العنوان الرئيسي، فيقوم هذا القارئ بربط العلاقات بين العنوان والنصّ المعلن عنه، ومن هنا يبدأ التواطؤ بين القارئ والمؤلّف الذي عن طريق المناصة أيضا – والمتمثلة في الغلاف والتقديمات والهوامش والإهداء والفهارس وكل ما كُتِب عن النص- يقوم بالاعتراف بما يساعد القارئ على إيجاد مرجعيته، عبر ما هو خارج أو حول نصي(3). والنصوص الموازية نوعان:

الأول كل ما قيل أو كتب عن الأثر المعني أو النص، وكل شهادة أدلى بها المؤلف أو أحد النقاد، وكل إعلان أو دعاية عملت على ترويج النص المعني، وجلستنا هذه تمثل بعض النصوص الموازية الخارجية والتي هي ليست موضوع هذه الورقة.

الثاني يتمثل في كل ما هو في المؤلَّف وخارج عن المتن الروائي، مثل: الغلاف (أمامي وخلفي) العنوان والعناوين الفرعية والحواشي والهوامش والتمهيد والتقديمات والخاتمة والفهارس والكلمة القبلية.. وهي موضوع هذه الورقة.

قبل الخوض في العلائق النصية الموجودة بين دفتي الكتاب، علينا محاولة قراءة المحتوى من الشيفرات المطروحة في الخارج، نحو قراءة العنوان الرئيس والغلاف أعني الرسم أو المخطط.

لن أخوض في تفاصيل الغلاف كثيرا، إنما اللافت للانتباه ذلك الباص القديم جدا والذي كان يجوب بلاد الشام والكويت وبغداد، وفي الأصل مكتوب عليه (كويت بغداد عمّان الشام بيروت القدس رام الله نابلس جنين) وعلى باص آخر وردت السلط أيضا، لكن الروائي هنا توقف عند القدس، ولم يجعل بعدها أي اسم لمكان، وفي هذا توجيه ورسالة لما سيرد في النص الروائي على بُعد صفحات من الغلاف، مثلا ما جاء على لسان الطفل سعيد: ((ولو سألتهم لماذا تريدون الاعتداء على سعيد؟ لقالوا لك: سعيد هو الطريق إلى القدس)) (الرواية ص44)، وفي فصل الجمعة: الروضة سدرة العشاق/ ابتداء من سؤال ذلك الأمرد (القدس وين))! واسترسل في الحديث عن الطريق إلى القدس يمر من..  من الصفحة 123 إلى الصفحة 126. ولعلّ في هذا النص الموازي وفي لفظة القدس تحديدا، إثباتا للسردية الذاتية للروائي الذي سُلب منه وطنه مرتين: الأولى عند سلبت فلسطين والثانية عند احتلال الكويت!! وفي الغلاف ما يحيل أيضا إلى استراتيجية المكان من خلال العنوان (كويت بغداد عمان)، مكان أحداث الرواية وهو بمثابة دليل الترحال والانتقال من مكان إلى آخر.

إن العنوان شيفرة، على المتلقي فكُّ رموزها، وحدسُ ما خلفها، فهو حاثّ ومحرض لفضول القارئ، يجتذبه لاقتناء هذا الأثر، وهنا تبدأ عملية تحليل الرموز من القارئ، باستناده إلى مرجعيات معينة، خاصة إذا كان للعنوان علاقة بما قد خُزِّن في عمق الذاكرة نحو ربط الكويت ببغداد واستحضار مرجعية احتلال العراق للكويت في 1990 حين رحل فلسطنيو الكويت إلى عمان (الأردن)، حيث تبدأ حياة جديدة لهم. كما يبدأ المتلقي بالخوض في دينامية هذا النص الموازي والمتمثل بالعنوان ومحاولة الربط بينه وبين عناوين أخرى لنصوص سابقة عارضا أمامه احتمالات محتويات النص القائم بين يديه، وهنا تُفتح أبواب التأويل إذ إن العنوان: ((ليس مجرد تكملة أو حلية، بل هو من منظور بعض محللي الخطاب نقطة انطلاق كل تأويل للنص، وفي الوقت الذي تشغل القارئ استراتيجية تأويلية تنطلق من القمة إلى القاعدة وتخلق توقعات حول ما يحتمل أن يكوِّنه اللاحق في النص.))(4). ومن التوقعات المفترضة: المرور عبر العراق أو بغداد كما يمليه العنوان الرئيس ويهمله الفهرس (لم يرد اسم العراق أو بغداد في الفهرس مع أنها المكان الذي يعتبر همزة وصل بين الكويت كنقطة البداية الأولى وعمان البداية الثانية) وتستدعيه العناوين الفرعية بداخل الرواية.

أما العناوين الفرعية الواردة في الفهرس، فهي موجِّه حرفي للقارئ إلى النّص، حيث يتم تضليله بعدم ذكر العناوين الحقيقية والاكتفاء بالتأطير الزمكاني للرواية لا سيما في الفصلين الأول والثاني اللذان يعدان الرواية الحقيقية “هنا الكويت”.

إنّ الروائي في كويت بغداد عمان، فهرسَ فصول روايته بطريقة شمولية جدا ثم انتقل إلى التفصيل، حيث ارتكز على التقسيم الزمكاني نحو: الأحد: النقرة، والعنوان الحقيقي هو كما ورد في داخل القسم “روضة المجاهد” حيث الإحالة إلى الحديث عن طفولة الشخصية “سعيد” والتحاقه بروضته، وقبل التقسيم الزمكاني كان هناك “سفر التكوين: حوّلي”، ليس لأنه ميلاده بل لأنه ميلاد هنا الكويت!! لسعيد البحتري (الرواية ص33)!! والعنوان الحقيقي (الذي لم يذكر في الفهرس)

والمضمن في الصفحة الأولى من هذا القسم “أم البدايات” وهو إشارة حتمية لقارئ هذا النص بوجود “أم النهايات” وبينهما حياة فلسطيني، يقدمه الروائي كشخصية تعيش هاجس الخوف من العيش دون رسم ولا وسم ولا تاريخ ولا ماض ولا مستقبل يلوح في الأفق، شخصية كتب عليها التشرد والضياع والشتات، بفعل الزهايمر! والعلاج كان بالكتابة!

الجدير بالذكر فعلا هو أن حوّلي ذكرت مرتين، مرة في سفر التكوين (الرواية ص21)، وأخرى في الأربعاء: حوّلي (الرواية ص 89)، حيث العنوان الحقيقي هو “باي باي لندن” والعنوان هنا ذو إحالة عميقة جدا، تضرب عموديا في تأويل النص، حيث مسرحية عبدالحسين عبدالرضا التي تنتقد الوضع العربي وقتذاك، وحيث ينقلنا السارد إلى لقائه بصديقيه العربيين ذوا الاسمين غير الاعتباطيين: أحمد نعيم المصري وطارق زياد المغربي، والحديث الطويل عن ضياع العروبة والأندلس.

أما الغلاف الخارجي الخلفي وعليه صورة الروائي وهو يرقب دهشة متلقيه وخيبة انتظاره إلى جانب نص يوحي بالغرائبية التي تتأكد للمتلقي قبل بدء الرواية مع المشهد الأول والمشهد الثاني مع كل من سعد وسعيد..

جرت العادة أن يستهل المبدع عمله بإهداء للآخر، عاما كان أو خاصا، وخالف بعضهم ذلك مثل يوسف إدريس في رواية أرض النفاق فأهدى العمل لنفسه، أما الروائي موضوع ورقتي اليوم فقد أهدى العمل لبعض منه، لجزء تركه خلفه ساعة الرحيل، لذلك الطفل الذي يحتضر في داخله، والذي لا يزال يعيش على أرض الكويت (الرواية ص5)، هذا إهداء مراوغ يستدرج المتلقي إلى تصنيف الرواية على أنها من أدب السير، أي أنها سيرية، ومع الاصطدام بالتنوية قبل المشهدين يعود القارئ عن بنائه الأوّلي في تخمينه حيث إنّ ((هذا نص لا علاقة له بالواقع، وأيّ تشابه في الأحداث أو الأسماء هو محض صدفة، والصدفة خير من ألف ميعاد، وعلى ميعاد حنّا والفرح كنا..)) (الرواية ص9)) وهذا التنويه حيلة من الروائي لفتح باب التأويل على مصراعيه ومحاولة فرز السيري من غيره، كما يفرش الروائي من خلال هذا التنوية أرضية تدل على أسلوبه الخفيف الماتع الساخر حينا والمتتابع أحيانا على مدار الرواية، … ويأتي المشهد الأول فالثاني، بكل العمق الغرائبي الذي ذكرناه آنفا، فيبدأ التصنيف الحقيقي للرواية يأخذ مساره إلى إدراك القارئ بأن ما بين يديه رواية شبه سيرية مع أنها تعتمد على السرد الذاتي ومع كل الوقائع التي تحويها.

في الصفحة السابعة من الرواية يستخدم الروائي كلمة قبلية تمثلت في آية قرآنية: ((قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ 112 قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ 113 قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 114)) سورة المؤمنون، في هذه الآية دلالة على اختصار الزمن في مكان معين. يحيل هذا النص الموازي قارئه في هذا المكان ككلمة قبلية لرواية كويت بغداد عمان، إلى اختصار الزمن الموجود في الرواية، أو في حياة سعيد البحتري، الذي اختصر ستة عشر عاما في أسبوع يبدأ بالأحد: النقرة وينتهي بالسبت: الجابرية. هنا تظهر مرجعية الروائي الدينية والتي وافقت صناعة عرض الرواية بطريقة احترافية.

تعمل النصوص الموازية سواء كانت عناوين فرعية أو هوامش على رسم الأنساق المتعددة والمتنوعة الموجودة في النص الأصلي ومَوْضَعَتِها، من أجل تأطير القارئ وتوجيهه كي لا يتشتت من جراء الاستطراد الذي يعمد إليه الروائي على لسان الشخصية الساردة المضطرية، كما ورد في الفنان الصغير من قسم الثلاثاء: القادسية، عن طريق الحواشي في الصفحات (ص70 إلى ص88) من النسق الفني فالديني فالتاريخي. وتعيد القارئ إلى سكة الأحداث. كما تجعله يتخطى أفقية النص الرتيبة، بما هي عليه من وصف واستطراد، إن كان حشوا أو ذا وظيفة دلالية سطحية، وتستدرجه إلى قراءته عموديا وفق الإحالات المتاحة عبر الهوامش والتذييلات والعناوين داخلية كانت أو خارجية، والفهارس.

كما اعتبرتُ المشهد الأول والمشهد الثاني نصين موازيين، هما تمهيد حقيقي لرسم شخصية سعيد الذي طُلب منه أن يكتب للاستشفاء كتابات تعبيرية ويلقيها فور فراغه منها في البحر الميت بعد حرقها، فكتب نصه “هنا الكويت” وأبدع فكان رواية يشار إليها بالبنان، الأمر الذي جعل المعالج بالكتابة يصرف النظر عن معالجة سعد بالكتابة، وعالجه بالقراءة: قراءة “هنا الكويت” لسعيد البحتري. كما اعتربتهما (النصين) نصين موازيين، اعتبرت كل ما جاء بعد الصفحة 206 نصوصا موازية ليست من متن الرواية كما يقول الروائي.

ففي الصفحة 206، آخر صفحة في السبت: الجابرية لحمد قلم، تتوقف ذاكرة سعيد ويتوقف عن التدوين، ويطرق السمع إلى ما خلف الغار: ((سلمى وطي التلفزيون مش عارف أكتب. منى! فنجان قهوة وسط لو سمحت. وسيم صليت العصر؟ نور! ارحمي حالك بابا، بيكفي أندومي مشان الله!))(الرواية ص206) في اللحظة الذي يظهر فيها أسيد الحوتري وواقعُه، يكتشف سعيد بأنه يسكن جمجمة أسيد!! وفي الوقت الذي يزداد طرق سعيد على جدار الجمجمة، يطالب أسيد بحبتي بنادول!!

هذه الفقرة فلتت من السيرة الذاتية إلى السيرة شبه الذاتية، ومن نص موازي إلى نص أصلي!!

وفق الرؤية المنطقية للأحداث تقف الرواية عند هذا الحد! لكن هناك فصولا أخرى أضافها أحدهما: أسيد أو سعيد! أولها المرقاب صفحة مخططة فارغة تنتظر من القارئ ملأها بـ: كيف ترى الكويت؟

الفصل الثالث أيضا محض نص مواز، يحتوي على ثلاثة أسفار للخروج، الأول كتبه الدكتور ساهر، والثاني كتبه أبو النور صاحب دار المثنى للنشر والتوزيع، والثالث كتبه سعيد نفسه، وفي هذا رؤية عميقة مفادها أن سفر التكوين واحد لكن النهايات متعددة واختيارية، رفض سعيد النهايتين اللتين لم تكونا بقراره واختار نهاية هو صانعها!!

في المشهد ما قبل الأخير، قسم لا يخص سعيدا، بل سعدا الذي كان علاجه بالقراءة فكان أن ابتلعته الرواية التي خطها سعيد، وهو عود على المشهد الثاني في بداية الرواية.

هكذا تتداخل كل الشخصيات لتكون في النهاية سعيدا واحدا يمثل الفلسطيني الذي يحمي نفسه من الشتات عن طريق الكتابة، كتابة الروايات، أو كتابة.

الروايات، أو كتابة التاريخ، إثبات السردية الذاتية… تحديث السرديات الكبرى..

في النهاية أعني فصل النهاية حيث أم النهايات وهي عود على أم البدايات لحبك رواية دائرية تنتهي من حيث بدأت، من حيث إطلاق الرصاص الصوتي على الفتى الهارب

كانت النصوص الموازية في هذه الرواية شأنها شأن الأخرى في روايات أخرى، بمثابة الأوتاد التي تربط أجزاء النص بعضها ببعض، وتقرب ما بين القارئ والمؤلف، وما بين القارئ وواقع المؤلف، بكل ما تحمله من وظائف تفسيرية ودلالية ونسقية وسياقية ومرجعيات سياسية ودينية وأخلاقية وتاريخية واجتماعية ونفسية وثقافية..

وفي الختام لا بد من التنويه والتذكير بأن لهذه الرواية تتمة أو جزءا آخر يبدأ من الفصل الأخير لها، أو على أقرب تقدير من حيث “أم النهايات” كما أشار الروائي بكلمة يابانية تعني يتبع.. وتستمر الحياة ويستمر الفلسطيني يبحث عن أرضه السليبة وعن أرضه التي ولد ونشأ عليها وعن أرضه التي احتضنته وعن حياته المتشظية التي يستحيل تركيب قطعها المبعثرة !!!

رواية تاريخانية نفسية حديثة حبلى بالأنساق الثقافية والدينية والتاريخية والسياسية، تنم عن ثقافة صاحبها الواسعة جدا..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى