كتاب

الفرات بن علي: انتباهات في رواق كتاب (الصحافة والشعر الحر) للدكتور ضياء الجنابي

لست ميالاً كثيراً إلى متابعة وتصفح شبكة الانترنت إذ قليلاً ما التقي وغايتي فيها، لاسيما في توجهات الثقافة الجادة التي في كل مرة أنقب عنها، وعبارة التنقيب غير وافية نظراً لمقدار المشقة التي أعانيها في هذا الصدد، في كل مرة أجدني مغلوبا على أمري محاصراً بما “لذَّ وطاب” على مائدة المعروض “الدسم جداً” من نتاجات المعرفة والعلم، وأيضاً الرؤى الإبداعية التي تتخطى المظاهر الخارجية للكائنات مندفعة بقوة وشراسة نحو أعمق الأعماق.

وفي المجال الأدبي، إذا جازت التسمية، تحديداً، أعثر على كياني المنهك القوى في منتصف موكب من الملائكة الرائين الهابطين إلى عالمنا المجدب من شلالات علوية دافقة بالشعر والنثر من جميع الطرازات والأجناس، والملاك الهابط إلينا بعطف ورشاقة لا يرضيه عناقنا بذراعي جنس أدبي واحد أو طراز واحد، بل هو “انسكلوبيديا” غامرة في جميع الاتجاهات. فما بالكِ، يا نفسي، وهم موكب مرهّج ذكوراً وإناثا، وللأغلبية العظمى من الذكور مواصفات الشاعر الذي يجري ولا يجرى معه والقاص الذي يتجاوز “تشيخوف” والناقد الجهبذ إلى جانب المفكر الفيلسوف المعبأ بنواميس المعـــرفة والوجود اكتشافا وتقويماً.

وفي كل مرة، وهي مرات نادرة، أتصفح فيها الشبكة “التواصلية ” اكتشفني مرغماً على قطع “حبل الوصال” والانزواء شيئا فشيئا إلى درجة الاختفاء خشية أن تغرقني موجات الشلالات الملائكية القادمة من الفضاء الخارجي، ولكن في المرة الأخيرة حدث ما لم يكن في حسباني، إذ أدهشني ما وقع بصري عليه، فألفيت ذاتي الطاعنة سناً الآيلة إلى السقوط عظاماً، إزاء صورتين تخافق لهما مني القلب والوجدان والوعي سوية، وهما أولاً صورة الصديق الثمين “د. ضياء الجنابي” الذي يعلم الله عز وجل كم أنا مشتاق إليه وبلاغة منزلته عندي، والثانية صورة مؤلفه “الصحافة وحركة الشعر الحر” المرسل إلي عبر “النت” من قبله هدية تواصل غالية فقهتُ أهميتها من عنوانها، فالكتاب يقرأ ويعرف حقاً من العنوان.

وبهذا يكون المؤلف الصديق قد فتح رواقا مديد الجهد والمحتوى  متيحا لي، ثقة، أن ادخل بحرية الخيارات والانتباهات بالشكل الذي يروق لي بكامل مشاغباتي التي يعرفها، والتي أتوسم فيها شخصيا صدقية وموضوعية مقبولتين بإذن الله، ولكن خلال مطالعتي الكتاب، من بدايته إلى نهايته، وجدته بلا أية مجاملة أو مسايرة، نتاج مجهود علمي واسع غير قليل العمق، لاسيما فيما يتعلق بموضوعته البحثية مسحاً واستقصاء وتأطيراً، ثم سبراً شيّقاً يحفّز اهتمام ووعي القارئ مضيفاً إليه حصيلة علمية وفيرة للغاية ومتنوعة في آنٍ معاً .مما كبح نزوعي المشاغب نوعا ما، كما أن الكتاب يأخذ بيد القارئ تدريجياً، بدون تشويش أو بهرجة، نحو غايات ومقاصد المؤلف التي اتسمت في غالبيتها الساحقة بالأمانة والموضوعية والانسيابية غير المصطنعة، علاوة إلى لغة فيها من العذوبة والبوح الذوقي والغنى الشيء الكثير، فهي رشيقة الحركة تنتقل من مادة إلى أخرى ومن فكرة إلى ثانية بعفوية وجدية سوياً، محاذرة للغاية من الوقوع في فخاخ اليباس الأكاديمي النمطي دون أن تخل بمواصفات البحث الرصين.

والكتاب، حسب تصوري، نظراً لفحواه العريضة الثرية في “الصحافة وحركة الشعر الحر” على طيلة سنوات من التأثير المتبادل بينهما في خمسينات القرن الماضي،  فضلاً عن انشغاله الدقيق الأمين بموضوعته، جدير بلا أدنى ريب في أن يستحصل على مكانة وقيمة المرجع المهم المفيد جداً في مضماره للقراء المهتمين من ناحية، ومن ناحية ثانية أكثر للدارسين عموماً، كما تتخلل صفحاته آراء وتأشيرات نقدية اغلبها صائب يعزز دور الأدب وصحافته في مجالاتهما التأثيرية في الإبداع والحياة الواقعية معا، كما يكثف النظر في أحيان عديدة في النسيجين الجمالي والتاريخي الحضاري وأثركل منهما في الآخر.

ومن التوجهات الحيوية التي اشتمل عليها رواق الدكتور ضياء الجنابي، والتي أظهر فيها شجاعة وبراعة لافتتين هي موضوعة ” التناص بين المقدس والإنساني” عموما من جانب، وخصوصا من جانب آخر أثناء تناوله الشاعر المصري البارز “أمل دنقل” ومحاولته واجتهاده في هذا السبيل المثير للجدل، ولقد جذب انتباهي كثيراً أن التناول هذا كان مثقفاً، جريئاً، هادئا وعلمياً في وقت واحد بحيث عمل على إيجاد أرضية مشتركة بين الشاعر ” دنقل ” ونهجه في شرعية التناص وبين مناهضيه الذين ذهبوا إلى عدم جوازه، وربما أكثر، وذلك في الصفحات 36 ،37 ، 38، في حين دفع المناهضون البوصلة نحو ” الحظر” رغبة منهم إلى التصعيد كما أتصور، فانبرى المؤلف بإخلاص نبيه مجدولا المسألة الحرجة في دائرة “الحذر” فقط، مؤشراً ضرورة الحيطة الإبداعية في هذا النطاق خشية القفز إلى ما لا تحمد عقباه، مذ كراً في ذات الوقت بهدف الشاعر النبيل من محاولته تلك وأيضا بجهوده المتألقة في نواح شعرية أخرى منطلقا بحماس خلال مناخ قصيدة “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” المسكونة بالحب الزاخر والانتماء المعمق، وانحيازاً إلى موقف الشاعر “دنقل” والكاتب نفسه، أجدني مستغرباً جداً من موقف هؤلاء المعارضين، ومن التجني الشديد على المسالة وتصويرها وكأنها من قبيل التجاوز على المقدسات، وربما أرادوا تكفير الشاعر ولكنهم أحجموا عن ذلك خشية ردة فعل قوية من جانب المثقفين المتنورين عموماً فذهبوا إلى سَوْق القضية في “التفرقة بين العام والخاص” وإزاحة النص المقدس عن علاقته الجوهرية بهما، وكأن الثقافة بخصوصها وعمومها مجرد “خيال” وربما هي “وَهْمٌ ” لا غير وأنَّ “القرآن المجيد” لا يتبوأ مركز الريادة فيها.

ومن الجائز أن يكون استهداف الشعر في هذه الوجهة ناشئاً عن تخوف هؤلاء من مقدرة الأدب التفاعلية مع حركة الزمن المتوالية المتجددة ،على إيجاد تأسيسات وبنى متجددة أيضا بين النص الكريم والنتاج الإنساني الفكري، الأصيل المبدع، بصيغة وحدة ثقافية عضوية فتترسخ آفاق “الحق والخلق” في أنموذج جمالي أو عدة نماذج جمالية تنبعث من “كلمة المقدس الجامعة” فتؤلف دافعاً مؤثراً نحو الاستغناء عن المتشبثين بالوصاية على عباد “الحق” وشؤونهم، وفي هذا الصدد يجب أن يطمئن “الأوصياء”، فالآداب الإبداعية حقاً غير معنية بأدوارهم “النقابية” وغير منشغلة بالأرباح والمنافع المادية والمعنوية المترتبة جراء سياقاتهم ومساراتهم الحاذقة نحو  “الأهداف المرسومة” فالإبداع الحقيقي مدمى .. يمشي على جمر .. وهو غير “حاذق” تماماً لكونه يقتحم المجاهيل والظلمات التي تستدعي جراحاتٍ راعفةً عاشقةً معاً، فمن أين يأتي الجرحى المخضبون بدمائهم بـ “الحذاقة”؟!.

ولأهمية ما تقصاه الكتاب في هذا المنحى، أضيف أن مسالة “الاحتواء” لقضية الحياة وأن النص المقدس أطار لتسيير وتقويم شؤون الخلق دون أن يتخلل في نتائجها ونتاجاتها ما هو إلا انزلاق نحو الفراغ وتبديد الوعي، في نظري، فالله عز وجل محيط بالكون الهائل المترامي، بجميع كائناته وأشياءه، ولكنه في ذات الوقت يتخلل الإنسان فيكون “اقرب إليه من حبل وريده” في الاعتبار والواقع، وفي الثبوت والتحول، مراعاة منه عز وتعالى وحباً لمخلوقاته على كافة الأصعدة، فيا لعظمته سبحانه ويا لجماله ويا لجهل الخائفين بلا أي داعٍ من الثقافة وإشراقاتها التأثيرية، وهنا أجد من الضروري أن أسأل؛ هل يعتبر مؤلف النص الإبداعي “غير مطيع للرب العظيم” إذا تناص خطابه مع المقدس وانبعث منه لكي يؤشر ويدين جرائم ومظالم الاستعمار الغاشم بحق الأمة؟، وهل صنع الراحل “أمل دنقل” غير ذلك؟.

ومما أثار انتباهي في رواق الدكتور الجنابي هو اختلاط بصري بمرآة غائمة نوعاً ما معلقة في الصفحة 91 تنص على أن الرومانسية تتصف ” بالميوعة وعدم النظر بعين المسؤولية للواقع” وهذا تعميم غير جائز برأيي .فان كان يعني بعض الرومانسيين فمن الأجدر به أن يشخصهم ويسميهم، وأن كان يؤشر جميع العرب الرومانسيين فالأمر من الغبن بمكان، وعليه فإنني أتساءل:- هل شعر “أبي القاسم الشابي” مائع وغير مسؤول؟ والأمة العربية من الخليج إلى المحيط تردد معه وبعـده “إذا الشعب يوما أراد الحياة” وهل أن شعر “علي محمود طه” كذلك والعرب في كافة أقطارهم يتحدون معه وموسيقى وصوت عبد الوهاب مغنين مثالاً لا حصراً:-

“يا ضفافَ النّيلِ باللهِ ويا خُضْرَ الرَّوابـــي

هلْ رأيتنَّ على النهرِ فتىً غضَّ الإهابِ

أسمرَ الجبهةِ كالخمرة في النورِ المـذابِ

سابحاً في زورقٍ من صنعِ أحلامِ الشّبابِ”

يالله .. هذا شعر أم آمال وأحلام تتحقق؟!، ألا تتحد الطبيعة والإنسان والزمن والحلم في رحلة عربية مذهلة لاستنطاق الجمال الفرعوني بلغة السموات الضادية في سبيل ترسيخ عروبة مصر ضد كل من يحول دون هويتها مدعيا إنها فرعونية لا غير، كما انه لا يخلو من تجديد آنذاك في القصيدة العربية، وهل أن شعر “الأخطل الصغير” مائع وغير مسؤول وهو الجمال والعذوبة العربيان أموياً عباسياً معاصراً بأبهى تشكيل لغوي؟، ومثلهم “إبراهيم ناجي” و”محمود إسماعيل” و”ميخائيل نعيمة” و”عمر أبو ريشة” ومعهم آخرون مبدعون، فضلا عن كون الرومانسية بالحب والحلم والألم والطبيعة تتخلل الدورة الدموية الإنسانية منذ الحضارات الأصلية النشوء إلى الحضارات المشتقة إلى يومنا هذا إلى ما شاء الله.

ومما يحفز الانتباه في هذا الرواق الغني التأشير الجوهري حول الصلة بين الأدب ومنه “الشعر الحر” بالقومية من جهة، والعالمية من جهة أخرى، فيبين بوضوح نقي لا يقبل الالتباس في الصفحة 164 أنَّ فحوى الأدب هو “رد اعتبار إنساني للمواطن العربي يحرره من العبوديات المادية والفكرية” متناولاً “القضية الحضارية ببعـدهـا الشامل الذي يتصل اتصالاً مباشراً بالأدب الإنساني العام ” وذلك في نطاق معادلة فذة بلورها د. الجنابي متقداً بإخلاص منقطع النظير جامعا بين الجمال وكرامة الإنسان في شعلة وهاجة عالية متجاوزا “ارنست فيشر” الذي امتد أفقيا مفسراً الانتشار وانحسر عموديا في تنقيب الهموم وفي الاستغراق الإبداعي فيها إلى مستوى “القضية”، حيث يقول في “ضرورة الفن” إن ” الفن كلما اقترب من محليته أكثر كلما اقترب من عالميته أكثر” دون أن يضرم نيران قضايا  الإنسانية المحلية والعالمية رغم خروجه منذ فترة وبلاده والعالم من الحرب الكونية الثانية.

وفي معرض حديث المؤلف عن دور مجلة “الآداب” في تبني قضية التجديد في الأدب لاسيما “الشعر الحر” في انطلاقته الريادية الأولى وانبثاق مفهوم “الأدب الفاعل” والالتزام بقضايا الإنسان العربي ومصيره القومي، مثمناً عالياً أداء المجلة الخلاق المتفرد، وهو حقيقة قطعية لدى جميع المتنورين المنصفين، يسهم د. الجنابي بمسؤولية جادة في ترسيخها وتسليط الأضواء العلمية الدؤوبة عليها خدمة للحقيقة أولاً، وللجمهور المهتم ثانياً، وفي هذا المعرض يعلق الكاتب جانبياً تأشيرة متسارعة عن مجلة “شعر” في الصفحة 167 مبيناً أنَّ لها ولمؤسسها “يوسف الخال” وضعاً خاصاً، وهو بهذا جنَّبَ بحثه بذكاء الانزياح بأي قدر عن مساره لما لهذه المجلة وللشاعر الخال من مداخلات فكرية وسياسية، وربما ارتباطات، الله أعلم، لا تخدم الدراسة، إلا أنني أتصور أن معاملة أسماء أخرى على نفس الشاكلة لذات الأسباب فيه بعض التعسف نظراً لأهميتهم البالغة في سياقات التجديد والحداثة في الشعر العربي المعاصر، وأخص بالذكر أدونيس الشاعر والباحث والناقد المفكر المهم وقرينته الأديبة البارزة “خالدة سعيد ” إضافة إلى الشاعر المتميز” فؤاد رفقة”. وأقول كان يجب الإشارة إليهم والى مجلة “مواقف” ولو من بعيد، لاسيما وإن الكتاب أتى على ذكر أدباء لا يحظون بنفس المستوى الفني، أما ذكر الاسم، أي اسم، دون استحقاقه فمسألة فيها نظر وتصور، علماً إن هذا الذكر المنصف لن يضر بموضوعة الدراسة الرئيسية، بل على العكس سوف يخدمها ويؤازر مجهودها الرصين.

ومن الأطروحات الجريئة التي سبقتني في التنبيه إلى فحواها أثناء مروري بين الأوراق المفيدة التي أضفت على تنقلي صفة الفضول الكثيف والرغبة في التعرف أكثر فأكثر على عنائها الثقافي المرموق، خاصة منحى الجرود والجداول والإحصاءات التي لم أكن منشغلاً بها يوماً والتي طاردتها بشغف هنا وهي تزخر بأسماء المبدعين العرب الذين كان للعديد منهم في بناء ذائقتي الفنية الفضل الجم وتثقيف همومي العربية الإنسانية، وفي هذا الموقف الحيوي أوقفتني الصفحة 179 لتطفئ لهباً في نفسي كلما أتى احدهم على ذكر الشعر الحر اتقـدَ ولو قليلاً، وهو ضرورة التمييز الانطباعي والعلمي سوية بين طاقة “نازك الملائكة” الإبداعية حقاً وبين طبيعة وأثر تجربتها التجديدية في الشعر، ولقد أوحى الكاتب فأفصح وأعرب بتركيز لا ينتابه أدنى شك أن قيمة تجربة “الشاعرة” الفعلية تكمن في المنحى الجديد الذي اختطته لنفسها، الأمر الذي كان وراء اسمها وذكر مساهمتها في انبثاق “الشعر الحر”، أما الضفة الثانية واقصد الخلق الإبداعي فناحية فيها نظر ونظر ونظر إلى حد الدرجة الثالثة الثابتة كما تعودت أن تقول العرب.

وإن موقف المؤلف في هذا الصدد برهان مثابر ومقدام على مسار ترسيخ مناحي الدراسة وصدقيتها، ولا  أعني أن أحداً  لم يسبق إلى هذا التأشير، ولكن ما أعنيه هو الضرورة القصوى في أن يكون الرائد الأدبي، أي رائد، مبدعاً ومجدداً وإلا فلا، ولن يتأتى هذا إلا عن طريق التذكير الدائم والضغط المستمر، خصوصاً وإن الكتاب يتناول مجلة راقية فاعلة قد يرتبك دورها ودور أية نافذة صحفية مثيلة إذا لم يكن أداؤها في إشاعة الثقافة جامعا للمبدعين مهما كانت مذاهبهم شريطة الانحياز الإنساني على كافة الصعُد، مانعا لغير المبدعين مهما كانت الحجج والذرائع، ولا أجد مقولة تفصح عن أهمية “الآداب” في الواقع الثقافي العربي، في هذا البحث العريض العميق، أفضل من قول الدكتور الجنابي ص208 “إن مدرسة الآداب التي تبلور خطابها في بوتقة الفكر لأجل  تحقيق توازن حساس بينَ العناصر الجمالية والبنائية وبين الدلالات الاجتماعيـــــة والسياسية له”، وأيضاً قوله  ص 60  “إن مجلة الآداب اهتمت بنشر الشعر العربي المعاصر ورعت تيارات الحداثة فيه، ولاسيما حركة الشعر الحر وقدمت إلى القراء نخبة من كبار الشعراء المحدثين فيه”.

وفي مسألة الحداثة يؤكد د. الجنابي ص213 بأنه “لم ترتقِ جميع الدراسات والبحوث إلى مستوى تحقيق النظرية المتكاملة لمفهوم الحداثة كونها تجربة ديناميكية لا يمكن أن تتوقف عند حد معين”، وهو مذهب صائب كلياً لان الحداثة تمثل مناخاً فكرياً وليست أفكاراً مجردة. كما أنها حركة “فهم” دائبة وليست مفاهيم واصطلاحات محددة، وإن التقرب إلى إشارات أو علامات “الحداثة” قد يكون فتنة حميمية في حين، ومن الجائز أن يكون تنصلا من دهشة محيرة ضمن خلفية مركبة، نفسية حسية وعقلية، وراء نزوع خيالي ما في حين مغاير.

وهذا يعني أن هناك “أشياءً” تتحلى بما يشوبها في الطريق إلى “التصور الجديد “بنزعات جمالية أو بما يناظر ذلك فتتحول بسرعة أو تدريجياً إلى ” تكوين” يلفت نظر “الذي يرصد” ما يجري ويفتش في حاله الآخر أو في أحواله الأخرى بصورة عفوية أغلب الأحيان فيستحدث فيه معطى الاقتراب الشعوري ومعطى ضده، ولا أقول نفيه، فيشرع “بتجديد”صور ذات أبعاد “كيانية” تتقمص حيزين معاً في الشاهد والمشهود في التعبير بهما وعنهما، فتندفع “الخليقة” في إطار مخيلتين موروثة ومستجدة، شبه مفككة أو مفككة كليا توحي إلى الناظر النمطي بالضياع، بيد أنها في نسيج الرؤيا الإبداعية تشكل فرصة سانحة لعملية جمالية تعيد توليد وانجاز المحيط ثانية في سبيل انبثاق “الخلق الحديث”.

وفي موقع الحديث عن التجديد  في الشعر العربي يقول الدكتور ضياء الجنابي ص 212: “إن الشعر الحر تجاوز الأوزان الشعرية المتقولبة والقوافي التي تلوي الجملة الشعرية إلى غير مؤداها ” وأنا حقا استغرب هذا الكلام من شاعر يجل التراث ويعلم انه يؤلف حداثة “أوانه” ويستمر في حركته “مقبلاً” مهما تراكم التباعد باعتبار التقارب حقيقة تاريخية نظيرة تواصل تقدمها نحو المستقبل الذي هو هدف الفعاليتين التباعد والتقارب لأن الكم يتحول إلى نوع وبالعكس، فضلا عن أن الدكتور الجنابي يجيد في شعره توظيف الأوزان والقوافي مطرباً ومعرباً في الجرس والمعاني ومؤدياتهما ولا تلتوي جراء قريحته الشعرية صورة بيت أو حتى شطر، وهو يعلم أن الشاعر يبدع بمقدار موهبته، والمواهب تتفاوت بما يخيل أن صديقي المبدع قد يعمد إلى دعم وتشجيع بعض “الموهوبين جدأ”، وإطلاقا لا يعني شخصه الخلاق الذي أغبطه  كثيرا على هذه الدراسة المتميزة التي اعترف بأنني لم أوفها حقها مع فائق الحب والاعتذار، بينما أضافت لي الكثير، والتي انتظر بفارغ الصبر وساخن الشوق مبحثا جديدا يهدى لي من الأخ والصديق الدكتور الجنابي يجعلني اعترف بقيمة شبكة “العنكبوت”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى