كتاب

كتاب (الحجاب في أوروبا) للدكتور ضياء الجنابي… بين عنصرية الغرب وضرورة التعايش.. نظرة إجمالية

بقلم: الفرات بن علي

منذ صفحات الكتاب الأولى يؤكد المؤلف أن حجاب المرأة في الإسلام ليس غاية بحد ذاته، بل هو شكل لمغزى عفة المرأة المسلمة التي تتصل بالماضي من ناحية أصالة الهوية الخالقية، إضافة الى المنحى الشرعي، ويجب أن تتواصل مع المرحلة الراهنة من ناحية المعاصرة المفعمة بروح المسؤولية بغية المواكبة المثمرة واستدامة بناء نسيج المجتمع، حيوياً وصحياً، من أصغر وحدة، سيما الأسرة، الى أوسع وأعلى مؤسسة، أفقيا كماً وعمودياً نوعاً، ويضغط المؤلف أيضاً على أن التوقف عند حدود صلة واحدة من الناحيتين السابقتين، وهوالحاصل في الغالب كما استوعبت، يعني خسارة التوازن في مؤدى العفة ذاتها لكون المرجو هو توليفة حيوية من الالتزام والتقدمية وليس الانحدار الى الجمود او الهرولة العشوائية هروباً إلى أمام.

ولا يتم هذا الجمع ألديناميكي، حسب رأي د. الجنابي، إلا عن طريق تمثل واحتواء روح الموروث الجوهري الأصيل بصرف النظر، كما أتصور، عن الجوانب التي تفرعت لاحقاً وتسببت بالتشتت والانقسام، مذهبياً وطائفياً، وترسيخ الثيمات الأخلاقية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في إطار متحرك الابعاد يتضمن المعاصرة الحديثة بذات المستويات السابقة في سبيل إنجاز حياة بشرية فعالة للمرأة والرجل المسلمين على حد سواء مثمرة التوجهات .

وعليه يجب البحث في دور المرأة المسلمة، في المهجر والداخل، في كافة الميادين التعليمية والصحية والاقتصادية، زراعية وصناعية ومالية، فضلاً عن الثقافية واالعالمية التي تستلزم تركيزاً أكثر، كما استقرئ من مذاهب الدكتور الجنابي ووسائله في الكتاب، إنه يطالب ضمناً بضرورة إطلاق أيادي النساء أنفسهن، في مجتمعاتنا داخلياً، وجالياتنا خارجياً في دراسة وبحث هذه المواضيع، كماً ونوعاً بأعلى درجات التأسيس العلمي نظرياً وعملياً إلى جانب الرجل الذي يجب أن تدرس وتبحث شؤونه أيضا وأن تساهم النسوة في هذا الصعيد الهام لكي يصل الجميع، تطبيقياً، إلى نهج برنامجي سلوكي حياتي يرتكز إلى العلم لا الرغبات العاطفية يخدم الطرفين وبالتالي مجتمعات وجاليات العرب والمسلمين في كل مكان.

ومن الجوانب المهمة التي تناولها المؤلف هو ادعاء بعض الغربيين غير المنصفين بأن الحجاب هو تعسف ذكوري ضد المرأة المسلمة بهدف إحداث نزاع داخل التجمعات الإسلامية، حيثما كانت، ينشأعنه، كما يتعلل عنصريو الغرب الإستعماري ما يبعثر الأسرة العربية والإسلامية، أسوة بحال الأسرة

لديهم، فيتفكك مجتمعنا هو الأخر حتى نخسر نواة حياتنا الحية ويلفنا الضياع

والتشرذم اجتماعياً وما يترتب عليه من تشظى الأصعدة الأخرى تلقائياً مع مرور الوقت، وذلك لعلمهم الأكيد بتفوقنا من هذه الناحية وباإمكانية العليا في البناء عليها مستقبلاً حال توفر وصعود الإرادة الحقيقية.

ويناقش الكتاب، في المجمل لا التحديد، مسألة انزو اء المراة المسلمة في بيتها وأن تصب جام اهتمامها في هذا المجال دون أن تساهم في الحياة العامة معتبراً إياه تنازلاً مؤثراً، بصورة دراماتيكية، عن التراث والمعاصرة فينفس الوقت. خاصة وأن هنالك أدواراً للمرأة في مسارات عدة تتفوق فيها على الرجل كالتعليم والصحة واإعالم الرصين وغير قليل من الأنشطة الأخرى، فضلاً عن المميزات الفردية للإنسان، أي إنسان، من الجنسين اللذين ينبغي أن يتعاونا ويجتهدا من أجل حياة أرقى لهما وللأجيال.

ولا يفوت المؤلف الحريص الإشارة القوية الضرورية الى وجوب بحث وتمحيص واستقصاء علاقة مجتمعاتنا وجالياتنا بالمجتمعات الأخرى خاصة الغربية ومجابهة الغزو الحضاري، سيما بعد انهيار حلف وارشو والإتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة وجنوح الغرب الشرس الى الاصطدام الكلي بالإسلام لإنتاج عدو جديد تعتاش على عداوته الوهمية آفة الاستعمار الغربي

ذات الرؤوس المتعددة، مؤكداً أن مجابهة هذا الغزو لأزمة الدقة والمسؤولية

لكي لا يختلط الأخضر باليابس، فلا ننفتح متقافزين الى درجة التبعية ولا ننغلق الى درجة الانكفاء، بل ينبغي أن نكون انتقائيين في مواجهتنا نتقبل المفيد البناء ونرفض الضار الهدام مما يستدعي منهجية كفوءة، علماً وسلوكاً،  في آن معاً في إدارة هذا النزاع المفتعل غربياً، وإلا سنفوت على انفسنا فرصاً كثيرة للتقدم إذا انغلقنا وتنقلب الطاولة علينا كما يتضح ذلك في ما يصنعه الإسلامويون المتطرفون من جميع المذاهب وسنقع في فخاخ الضياع وفقدان الهوية إذا انفتحنا بطريقة عمياء تعتمد التقليد لا التجديد الأصيل الذي يخدم حياتنا وواقع مجتمعاتنا ويضع المرأة والرجل العربيين والمسلمين في مكانتهما الصحية المشتركة.

ومن مقولات الكتاب الشاملة عبارة الجنابي المركزة الضليعة في ص98 التي

تختزل مسألة الحجاب بقوله “الحجاب الإسلامي ينبض في قلب الحياة كما

تنبض الحياة فيه”… إنها كثافة غنية جداً تحتوي برأيي روح الكتاب الجوهرية الصافية وتعبر عن وعي متقدم وجمالي في نفس الوقت منبعث مما عرف به الجنابي من شاعرية مفعمة الإخالص . وقوله في ص77 أن الغرب “اخترق صمته بانتهاكه القيمة الجوهرية لمدنيته والتي طالما صور للعالم أنه مؤمن وملتزم بها وهي قيمة الحرية وكأنه يرى في حجاب المرأة راية غزو إسلامية ترفرف في عقر داره!! “، وهل بعد هذا التعبير الثري مجال لكي يضيف أحد، فهو جامع مانع تصويري ذو رونق خطابي تأثيري بالغ الحساسية. وقوله في ص14 “من غير المعقول أن تتفتق عقلية الغرب بفكرة

أن الحجاب رمز ديني دون بواعث مبطنة .. وبذلك اوجدوا مبررات الحؤول دون هيمنة وانتشار هذا الرمز وشرعنوا محاوالتهم الهادفة الى طمسه!.” فيفضح المؤلف بوضوح لا يقبل الشك ازدواجية الغرب الذي يطبل لزوال “نظرية المؤامرة ” وهو يمارسها علناً وسراً حسب الحاجة مسكوناً بالنفاق والميكافيلية .

وتوظيفه في ص193 مقولة الإمام علي (ع)  ” الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق” مبيناً أن العرب المسلمين هم من وضعوا حجرالزاوية ومنهج التعايش وأن مزاعم الغرب الاستعماري غير أصيلة لكونها تنهج في الافعال عكس ماتردده أبواقها الإعلامية التضليلية، وغير ذلك كثير مما جادت به قريحة الكاتب المبدع على امتداد صفحات كتابه القيم المتميز للغاية عن سواه من المقالات والمؤلفات التي تناولت نفس الاشكالية تارة بتقليدية ماضوية طلقها الدهر وأخرى بانهزامية هاربة من هويتها الحضارية الى من يلتهمها لحماً طرياً ثم يقذف بها عظاما يابسة إلى خارج العصر الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى