مكان

صفاء الحطاب: “قلعة السلع الأثرية”…الشاهدة على التواصل الحضاري البابلي – النبطي


#قصة_مكان_يرويها_الزمان
عبر طريق متعرج وشديد الانحدار، وعلى نحو 16 كيلومتراً جنوب مدينة الطفيلة، تربض قرية “السلع” وقلعتها التي تقف بشموخ منقطع النظير، ماثلة للعيان منذ آلاف السنين.

إن قلعة السلع هي عبارة عن هضبة طبيعية تحيط بها الأودية من جميع الجهات، باستثناء مدخل وحيد وضيق من الجهة الشرقية، ما يؤكد استخدامها كحصن عسكري في الدولة الأدومية، ومن بعدها المملكة النبطية.

لفظ “السلع” مأخوذ من اللغة الآرامية ، “فالسلع” ذات العلاقة بالصخور سواء كان شقا أو بناء في كتلة صخرية ،
و هكذا تسرب اللفظ إلى اللغة العربية ، ذات العلاقة بالآرامية (شق الصخر) ثم إلى اللغة الكنعانية ، حيث تشير المصادر التارخية إلى أن “سلع”كانت حصنا في عام 838 قبل الميلاد تقريبا.

تحتل قلعة السلع التاريخية جنوبي مدينة الطفيلة ، موقعا متفردا وسط هضاب شامخة ، تقابلها قرية السلع الحديثة نسبيا والتي بنيت من حجارة الموقع الأثري في نهاية القرن التاسع عشر تقريبا.

وتتقابل قلعة السلع مع عاصمة الأدوميين في “بصيرا” ، حيث تعتبر محطة استراتيجية، تشرف من موقعها على وادي عربة وتضم “300” بئر للماء وعدد من الكهوف التاريخية ، ونماذج من الفن والنحت والعمارة وأنظمة مذهلة للري وأبراج للمراقبة بارتفاع يقارب “400” متر عن سطح البحر ، وبمساحة تزيد على”100″ دونم مربعة، ويصل القادم إليها عبر طريق واحد ، صاعد على هيئة درج متعرج.
سكنها الأدوميون قبل الأنباط، واشتغل أهلها في الزراعة، وفي التجارة التي استلزمت الإشراف الاستراتيجي على خطوط التجارة والسيطرة عليها وحمايتها فيما بعد.

وكشفت تنقيبات أثرية مهمة لجامعة مؤتة عام 1995 عن بعض أجزاء الموقع الذي يقود إلى الفترة من (1200 – 333 قبل الميلاد)، وذلك عندما اشتهر الأنباط بالتجارة وأنظمة الري، والتي تثبت سبقا وتفوقا نبطيا في مجالات كالهندسة والفلك والسيطرة على التجارة برا وبحرا،نشهده في مواقع أثرية أخرى أبرزها مدينة البترا.

ومن الجدير بالذكر أن قلعة السلع تحتضن المسلة البابلية التي تعد الأولى من نوعها في الأردن، والرابعة في العالم حسب الدراسات الأثرية، والتي تعود للفترة الزمنية ما بين عامي (555- 930 ق.م)، على شكل نحت لملك بابلي يحمل في يديه الصولجان ، وقد نحتت المسلة على صخرة في مرتفع شاهق ، على الواجهة الجنوبية الشرقية من القلعة ، ونقش عليها ثلاثة رموز فلكية (الشمس، القمر ،نجم) ، وكتابات تعود إلى عصر مابين النهرين، تؤرخ لاستقرار ملك بابلي في المنطقة في مرحلة ما.

ونحتت المسلة على الصخر الرملي ، التابع لسلسلة جبال الشراه ، وتتجه الى الجنوب الشرقي من الجبل ، بارتفاع من الأسفل يصل قرابة (35) مترا ، ومن قمة القلعة بأكثر من عشرة أمتار، ويمكن للناظر رؤيتها عن بعد اكثر من (200) متر أفقيا من الجهة المقابلة، وتوحي وقفة التمثال المنحوت بالعظمة والشموخ.

ويرجح أن تكون الصورة المنحوتة ، هي للملك البابلي”نابونوئيد”الذي يعتقد انه كان متجها من بلاد ما بين النهرين الى الجزيرة العربية، بسبب التشابه بين اللوحة المنحوتة في القلعة، ولوحة بابلية موجودة حاليا في متحف اللوفر، كما يتضمن النحت إشارات للقمر وللشمس ، ونجم ، ما يشكل عددا متكاملا من الأرقام ، يدلل على أن البابليين استعملوا العدد (3) هندسيا وفلكيا.

ويمكننا أن نصل إلى نتيجة مهمة، وهي الربط بين حضارة الرافدين والحضارة النبطية بأدلة ملموسة ونقوش تحت الدراسة، قد تثبت تفاصيل التواصل الحضاري بينهما؛ بما يؤكد المسوغ المنطقي لمعرفة الأنباط بعلم الفلك معرفة دقيقة، واعتمادهم على تطبيقات عملية في حياتهم اليومية، ورحلاتهم البحرية والبرية، وغيرها من المجالات.
وقد يشير التفوق الهندسي لنظام المياه في قلعة السلع والتمديدات الفخارية التي تسحب المياه من النبع الموجود أعلى المكان، وتغذي به المدينة عبر شبكة قنوات؛ إلى أن هذا التفوق هو ابن المكان، ومن نتاج حضارات المنطقة كالحضارتين الأدومية والنبطية، وقبل وصول الرومان للمنطقة بمدة طويلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى