مكان

صفاء الحطاب: “مملكة الأنباط”… هل هي “مملكة قيدار”؟

غاب ذكر مملكة الأنباط عن الكتب التاريخية فترة طويلة من الزمن، واكتنف الغموض تفاصيل حياتهم لأسباب مختلفة وغير محددة، مع أن مسرح أحداث حضورهم يقع في نطاق منطقة زاخرة بالحضارات المتقدمة والمؤرخة بالنقوش والآثار المادية.

من يطلع على سجلات الحضارة الآشورية الموثقة على اللوحات الجدارية والقطع الفنية المعروضة في المتحف البريطاني مثلا، سيدرك كيف أننا فقدنا إلى حد كبير ومؤسف قيمة الأثر في بناء السردية التاريخية للمكان، وفي البناء الحضاري الثقافي التراكمي.

الحضارة الأشورية تعد  من الحضارات التي توسع امتدادها جغرافيا، والتي كان لها من المنجزات ما خلده التاريخ، سواء كان ذلك عن طريق المعارك التي توسعت من خلالها الحضارة الأشورية أو من خلال المنجزات التي نتجت عن هذه الحضارة في شتى المجالات،                              وتعتبر الكتابة المسمارية من أهم إنجازات الحَضارة الأشورية الهامة، وهي عبارة عن كتابات خاصة على ألواح طينية، وكان لهذه المخطوطات الأثر العظيم، فقد خلدت تاريخ الحضارة الأشورية وما قبلها وما حولها، ومن أهم هذه المخطوطات ملحمة جلجامش الشعرية التي كتبت على 12 لوحاً ،والتي ورد فيها ذكر الطوفان.

                                ساهم الأشوريون في تأسيس علم الفلك ووضعوا له الأسس والمبادئ التي تم تطوريها فيما بعد، واستخدموا تقويمًا قمريًا خاصًا قسموا فيه السنة إلى 6 شهور والشهور إلى عدد من الأيام كما قسموا الأيام إلى 12 ساعة و 30 دقيقة.

                                كان لملوك الأشوريين مكتبات عظيمة توضع فيها الكتابات الخاصة والمخطوطات ذات المحتوى الأدبي والعلمي والفلكي، ومن أهم هذه المكتبات مكتبة الملك آشور بانيبال.

                                كما ساهموا في تطوير علم الرياضيات ونظام العد واستخدموا في علم الحساب الكسور العشرية والمربع والمكعب والجذر التربيعي للأعداد

لكن… هل يمكننا م أن نحاول إعادة سرد حكاية الحضارة النبطية بالاستفادة من كل ما سبق؟

حين وصف (هاري ساغز) الحضارة الآشورية في كتابه ب (العظمة إلى أقصاها) فقد كان يشير، بوضوح، إلى قمة عظيمة من قمم حضارات وادي الرافدين والشرق الأدنى القديم والعالم القديم كله. فهي الحضارة التي اجتمعت فيها خلاصات عصرها الذي امتد لما يقرب من ألفي سنة متواصلة.

فهي الإمبراطورية التي كانت طوال ثلاثمائة عام، ما بين عامي 900 إلى 600 قبل الميلاد، الحضارة الأكثر تقدما على الإطلاق، والقوة العسكرية والعلمية والإدارية الكبرى التي استندت إلى ثروات تجارها وبأس جيوشها.

يمتلئ المتحف البريطاني حاليا بالنقوش والكتابات من المكان الذي شهد مهد الحضارة المدنية، وبآلاف الألواح الطينية الآشورية الثمينة، وبالألواح الضخمة المنحوتة من المرمر والتي كانت مصفوفة على جدران قصورها، وهي الألواح التي صورت قوة الملك الآشوري والخنوع الذليل من جانب أعدائه.

وظل هذا الكنز الفني مدفونا طيلة 2000 عام، حتى نقب عن المدينة المستكشفون الإنجليز في القرن الثامن عشر، ونقلوا كل ما وجودوه من كنوز إلى لندن.

وتذكر بعض النقوش الآشورية أنه في عهد الإمبراطورية الحديثة دارت رحى “معركة قرقر” عام 853 قبل الميلاد، وذلك  في شمال غرب سوريا، وتشتهر هذه المعركة التي دارت خلال فترة الفتح الآشوري لمملكة آرام ومركزها في دمشق، بوجود عدد من المقاتلين في حلف كبير تكون من قوى المنطقة ضد الآشوريين، وتم تسجيل تلك المعركة التي انهزم فيها الآشوريون على نصب “كورح” الآشوري، ووردت هناك عبارة مهمة جدا هي:” أرسل الملك”جندبو” ملك العرب 1000 فارس (جمّال)” للمشاركة في ذلك الحلف بمشاركة البابليين، في ذكر لأول مرة للعرب في التاريخ المسجل.

و”جندبو” العربي هذا كان أحد ملوك “مملكة قيدار” العربية عام 853 ق.م، وشارك بألف جمّال مع جيش الحلفاء في “معركة قرقر” ضد الدولة الآشورية.

وكانت “مملكة قيدار” تشكل أكبر مملكة عربية في جزيرة العرب في الألفية الأولى قبل الميلاد، إضافةً إلى أنها المملكة العربية الوحيدة التي لها تاريخ “أركيلوجي” خارجي يظهر تفاعلها عسكريًّا حلفًا وعداءً مع الأمم المجاورة والقوى الكبرى في العالم القديم، كما كان لموقعها الجغرافي الاستراتيجي دورًا هامًّا في حركة التجارة في العالم القديم، وربما الأهم في الشرق الأدنى القديم،

و”قيدار» هو جذر ثلاثي: ق-د-ر «قدر» بمعنى: «القياس، الحساب، التقدير» و«القدرة أو المقدرة».

كان “القيداريون” بحسب المؤرخين ذوي قوة مؤثرة في الفترة مابين القرنين الثامن والرابع قبل الميلاد.، ويذكر في النقوش الآشورية أنهم عاشوا في منطقة جنوب شرق دمشق وشرق الأردن، وبحلول القرن الخامس الميلادي انتشروا في نواحي سيناء حتى دلتا النيل.

                ومن أهم مدنهم (تيماء-دومة الجندل) ومن أهم موانئهم ميناء (غزة)، وقد سيطروا على الطرق التجارية الاستراتيجية شرقا وغربا)

ويرى العلماء أن لغة التدوين والكتابة الرسمية “للقيداريين” هي اللغة الآرامية، كما يتضح من الإناء الذي عثر عليه في “تل المسخوطة” في مصر. ويرى معظم العلماء والباحثين أن “القيداريين” قاموا بتطوير لغة التدوين (الآرامية) إلى النبطية ثم إلى العربية الفصحى ثم أخيرًا إلى العربية الحديثة.

الخلاصة: قد وثق لنا الآشوريون تاريخ المنطقة، وتركوه منجم معلومات للباحثين والدارسين والمؤرخين والآثاريين،

وكأنهم يذكرون تاريخ الأنباط تماما تحت اسم آخر هو “العرب” أو “مملكة قيدار”… وقد يكون منطقيا أن يكون هذا سبب من أسباب عدم وجود تاريخ مكتوب عن الأنباط باسمهم الذي نعرف…وهذا باب مفتوح على مصراعيه للبحث والدراسة، يمكن أن يثبت ويؤرخ تفاصيل حضارة الأنباط المدهشة، التي عاصرت كل ذلك المجد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى