كتاب

قراءة في رواية “أمي وأعرفها” للكاتب أحمد طمليه

بقلم: صفاء الحطاب

أبدع الكاتب رواية متميزة إنسانيا وإبداعيا في تلمس أوجاع وهموم الحياة؛ والتقاط مشاهد حياتية قد تبدو عادية للآخرين؛ ثم تحويلها باقتدار إلى شكل من أشكال الفنون الأدبية القادرة على إطلاق صرخة، أو إيصال فكرة ما!

القصة تروى من منظور الشخصية الرئيسية “فؤاد” وبتناوب مع الراوي العليم،  يقدم الكاتب مشاهد متلاحقة لخلق فضاء مكاني تتحرك فيه الشخصيات المختلفة، وقد خدم هذا التتابع المشهدي حبكة الرواية، ووضح أفكار الشخصيات وعواطفها وصراعاتها الداخلية بالإضافة لمظهرها الخارجي، تبدأ الرواية بحلم الشخصية الرئيسية في الرواية واسمه (فؤاد) بفتاة جميلة يحبها، ويخشى أن يستيقظ من الحلم حتى لا يواجه الواقع الصعب والقاسي مع عائلته المكونة من الأم وشقيقه منصور وشقيقته غدير، في مكان متخيل يشبه مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في تركيبته السكانية وبنائه، ثم ينتقل اإلى مشهد موت يوسف المبكر  والمفاجئ وتركه أطفاله دون أمان، وبعد ذلك مشهد مرض أبو ثابت ومعاناته مع المرض وعدم قدرته على التعبير عن ما يعاني منه بوضوح، ودخوله في دوامة المستشفيات وارتفاع تكاليف العلاج وعدم قدرته وقدرة ابنه وزوجته على تحملها، وهروبه من المستشفى ووفاته في ظروف لا إنسانية.

ثم تتلاحق قصص قصيرة عن شخصيات كثيرة تحركها الأحداث كشخصية سعيد صديق فؤاد والحاجة أمينة أم محمود التي كانت وكأنها تقوم بدور تمثيلي في الحياة يمكن توقعه من قبل المحيطين، وشخصيات أخرى متعددة تتحرك في محيط فؤاد،  ثم تظهر بهية التي يحبها لكنه مع ذلك يهاجمها ويحاول الاعتداء عليها عندما سنحت له الفرصة مما يشعره بشعور سيئ للغاية، يعاني فؤاد من أنانية شقيقه منصور ومن غرابة صديقه سعيد، ويلجأ في كثير من الأحيان إلى صديقه الحكيم منذر، الذي يصبح وزيرا فيما بعد،  تموت الحاجة أمينة ويتكاتف أهل الحي في دفنها وإعداد طعام الغداء عن روحها، يعمل فؤاد في شركة ويتعرف إلى ساره الموظفة القادمة من الكويت بعد أزمة الخليج، ليكتشف أن الأزمة الوجودية التي يعاني منها هو وأهل منطقته عبر الأجيال المتلاحقة هي ذاتها في كل المنطقة لتشابه الظروف الخارجية المؤثرة، يعتذر فؤاد لبهية عما بدر منه سابقا، وتتوطد العلاقة بينه وبين ساره، التي تفاجئه بأنها يائسة بسبب ظروفها الأسرية، ويمكن أن تمنحه نفسها دون تردد، يستعد فؤاد لاصطحابها إلى بيت صديقه سعيد  الفارغ من أهله، لكنه في اللحظة الأخيرة يطلب منها مغادرة المقهى قبل توجههم إلى بيت سعيد، ويذهب مسرعا إلى بيت بهية ليرتمي في حضنها ويبكي بحرقة.

كاتبنا في هذه الرواية جمع خيوطا متشابكة من معاناة الإنسان ومشاكله الوجودية المنعكسة في معاناة حياتية يومية، ونسجها باقتدار من خلال الشخصية الرئيسية في الرواية “فؤاد”، محور الأزمة وفاقد الفعل، ورحلته في مسارين داخلي وخارجي، لينقل للقارئ من خلال السرد الروائي أزمة مجتمع بكل أفراده عبر ثلاثة أجيال، أزمة مفتوحة، عبثية سوداوية؛ فقدان الوطن والشعور بالأمان، لأسباب كثيرة طرحتها الرواية؛ منها الخارجي ومنها الذاتي.

بحثت عن العنوان “أمي وأعرفها” في ثنايا السرد، فوجدت التعبير على لسان فؤاد عندما كان متيقنا من موافقة أمه على مشروع شقيقه منصور الاستثماري خلافا لرغبتها الحقيقية؛ وقد يكون ذلك هو اليقين الوحيد الذي كان مستقرا في وجدان شخص مثل فؤاد المنهزم داخليا، أمه وحبها المطلق لأبنائها؛ وإيثارهم على نفسها.

“فؤاد” الشخصية الرئيسية في الرواية؛ كان يبحث أثناء رحلته وتفاصيل قصته عن التحقق من أجل التوازن والتخلص من القلق؛ مع غياب القدرة على الفعل، وكانت الأحداث تحرك شخصيته في خط درامي متصاعد؛ في حركة متفاعلة مع العديد من الشخصيات (خالد عواد فاطمة) التي مرت في الرواية لتأكيد فكرة ولم يكن لها خط درامي خاص بها؛ فكانت تظهر وتختفي في مشاهد تشبه قصص قصيرة داخل الرواية؛ لتصور الأزمات كوصف حال؛ وتظهر معاناة الفرد في سياق عام ظالم وضاغط من خلال تجارب الأشخاص التفصيلية

شخصية سارة القادمة للأردن من الكويت بعد حرب الخليج، جاءت لتكمل صورة الفرد المسحوق لأسباب سياسية واجتماعية عربية وعالمية متشابهة وإن اختلفت الظروف الظاهرية.

تناوب الراوي العليم مع الشخصية الرئيسية فؤاد في رواية القصة؛ وقد استفاض الراوي العليم في بعض مواضع قليلة من الرواية بما أثر على انسيابية السرد.

أما الحوار فقد خدم الفكرة إلا أنه كان مبالغا فيه قليلا بين ساره وفؤاد” وتم تحميله أكثر مما يحتمل لإيصال أفكار الكاتب ووجهة نظره عن حرب الخليج وأسبابها وتبعاتها المتوقعة.

في هذه الرواية فتت الكاتب الزمن؛ ليعبر بشكل أوسع وأكبر عن أفكار ومشاعر شخصيات الرواية، واعتمد بناء الرواية في جانب كبير منها على الاستعادة بخط زمني غير منتظم؛ في خط مواز لخط فؤاد الذاتي المتصاعد بانتظام.

أما المكان الذي دارت فيه أحداث الرواية فكان متخيلا يشبه تفاصيل المخيم، وكان يسكن الشخصيات، كما كانوا يسكنوه، وله انعكاسات عليهم وضحت معاناتهم الحقيقية من غياب الخصوصية والشعور بالانسحاق مما خدم فكرة الرواية.

قامت الرواية على فكرة غياب المعايير النبيلة والقيم العليا بسبب الظلم العام الذي تعرض له هؤلاء الناس جيلا بعد جيل؛ والذي ولد تفرعات من ذلك الظلم، وكأن حال فؤاد وحال المنطقة متشابهان، فالاثنان في حالة ضياع، وقدمت صراع الروح مع المادة في ظل تلك المعايير الظالمة

طرحت الرواية عدة قضايا مهمة منها المرأة ودورها الملتبس في ظل ظروف عامة ظالمة؛ واضطرارها للدفاع عن نفسها وكأنها متهمة أو لعنة ما تحوم حولها دوما بسبب المجتمع المأزوم بالجسد كمظهر من مظاهر الانهزام الداخلي والكبت المتواصل؛ وعدم قدرة الأفراد على فهم مشاعرهم أو التعبير عنها.

استخدم الكاتب الواقعية السحرية بشكل ما؛ ونقلنا إلى مستوى من المجاز في مشهد عزاء الحاجة أمينة؛ وتعويض نقص اللبن من حليب الأمهات؛ وتقبيل الأرض قبل دفنها، وكأنه يريد أن يقول إنهم قد توحدوا في لحظة خلاص ما؛ وقدم الموت كنوع من الراحة الأبدية بعد معاناتهم الوجودية.

النهاية منحت القارئ بعض الأمل في قدرة فؤاد على التحقق من خلال القدرة على الفعل؛ وطلبه من ساره المغادرة بالرغم من رغبته الشديدة بها؛ وعدم استغلاله لحظة يأسها؛ وأمل أكثر وضوحا في توجهه نحو بهية كحبيبة يبحث عندها عن راحة روحه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى