نص

عمان العاصمة الملهمة… بقلم صفاء الحطاب

عمان مدينة مسكونة بإرث من مروا بها عبر الزمن، في حجارتها كلام، وفي أعمدتها حكايات، وفي شوارعها حنين، تربض قلعتها الشامخة على جبل مطل على قلبها النابض، على مدرجها ومتحفها وسبيل حورياتها، وعلى العابرين في دروبها، تبحث بينهم عمن يمكنه التواصل مع مكنوناتها، لتبوح له بأسرارها وقصصها، تناجي مبدعيها وكتابها بصمت، وتغازل شعراءها بخلود جمالها، تستنطق فيهم جمالا إبداعيا كامنا، ليتدفق قصائد وقصصا مكتوبة.

تعاقبت على عمان عدة حضارات عبر الزمن لوفرة الماء وأسباب الحياة فيها، واستقرت فيها جماعات كثيرة من بلاد مختلفة وقوميات متعددة، نتج عن ذلك تنوع فكري وثقافي متجذر في ذاكرة المكان والزمان، ولطالما ألهمت عمان خيال الشعراء؛ فجادت قرائحهم بقصائد سجلها التاريخ بأحرف من نور، وتجسدت عمان فتاة جميلة في كلماتهم منذ القديم وصولا إلى العصر الحديث؛ فقال الشاعر الأردني الكبير ابن فلسطين حيدر محمود مختزلا عصورا من مجد محبوبته عمان:

 أرخت عمان جدائلها فوق الكتفين

فاهتز المجد وقبلها بين العينين

بارك يا مجد منازلها والأحبابا

وازرع بالورد مداخلها بابا بابا

وعبر الشاعر الأردني ابن البلقاء عليّ الفاعوري في ترويدة  لعمان بعث فيها عبق وعراقة المدينة المختزنة بكلمات قليلة فقال:

هنا عمان والظل الظليل 

هنا الأحباب والزمن الجميل

هنا عمرٌ من الصفصاف غنى

فأورق في المداخل زنجبيل

شكلت عمان حالة خاصة من تلاقي الإبداع والمبدعين من مختلف البلدان المجاورة بحكم موقعها في قلب منطقة مشتعلة بالحراك السياسي والصراعات والحروب وما يصاحب ذلك عادة من حراك مجتمعي وفكري، فكانت عمان بكل مكوناتها وأطيافها نموذجا فتيا لنشأة مجتمع ثقافي برعاية الملك المؤسس عبدالله الأول ودعمه المباشر للحراك الثقافي والفكري آنذاك، ويمكننا القول بأنه كان حراكا نخبويا في بداياته، جمع كتابا أفذاذا من الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق ومصر والسعودية ومختلف دول الجوار؛ في تفاعل أدى إلى تشكل نواة هيئات ثقافية مهمة؛ كان لها أكبر الأثر في المشهد الثقافي العماني العام، كرابطة الكتاب الأردنيين، التي تأسست رديفا للاهتمام الحكومي والرسمي بالثقافة والمثقفين، ، فنجد عمان مثلا حاضرة في ذاكرة ووجدان  الكاتب السعودي الروائي المبدع عبد الرحمن منيف الذي ولد في عمان في ثلاثينيات القرن الماضي لأب نجدي وأم عراقية مما يعكس التنوع الاجتماعي الكبير في عمان آنذاك، وقد خلد منيف عمان التي تسكن وجدانه مكانيا وإنسانيا في كتاب “سيرة مدينة – عمان في الأربعينات”، قدم فيها عمان المكان بكل مكوناته، والإنسان العماني بعلاقاته واهتماماته وطقوس أفراحه وأحزانه، أي أنه تواصل مع المدينة واشتبك مع نسيجها، وتشكلت لديه ذاكرة فردية جمعية تجعله كاتبا أردنيا عمانيا بشكل ما.

وقد قامت مدينة عمان معماريا على السفوح المطلة على وسط البلد منذ بدايات القرن الماضي، بتصاميم تحاكي نمط البناء العثماني، وبحجارة وبلاط من فلسطين ولبنان، وبأيدي عاملة من عمان والمناطق المحيطة بها، فتعالت البيوت العمانية مشكلة فسيفساء جمالية عريقة ومتفردة، تحاكي التنوع الثقافي والفكري لقاطنيها،

واستمر هذا التنوع حتى يومنا هذا، وبقيت أحياء عمان القديمة نابضة بالثقافة والفكر والاهتمام بالكتاب والمبدعين، حيث تشغل معظم تلك البيوت العمانية العريقة حاليا هيئات ومؤسسات ثقافية مهمة تعمل بلا كلل على دعم الإبداع، وتوظيف قدرات المبدعين من كتاب وفنانين ومثقفين ومؤثرين في الارتقاء بالمجتمع وتشكيل ذائقته؛ بما يتناسب مع الحركة الثقافية العربية والعالمية، وقد يجد الباحث في عمان عن مواقع الهيئات الثقافية وجهته بشكل لافت في منطقة اللويبدة وجبل عمان، مثل دارة الفنون التي تشغل مجموعة من المباني العمانية العريقة، وبيت يعيش، والهيئة الملكية للأفلام، وبعض المتاحف العامة والخاصة، ومقرات لهيئات فكرية وثقافية كثيرة، وغيرها من أماكن الحراك الثقافي العماني. 

تعاقبت أجيال وأجيال من المثقفين والأدباء والكتاب على مدينة عمان منذ نشأتها، وأسهم النسيج المتنوع من سكان المدينة في تشكيل مشهد ثقافي متفرد، وقاعدة فكرية منفتحة على الآخر، وكان افتتاح دور السينما والمقاهي في وسط البلد منذ نشأة المدينة فرصة لتكريس ذلك الانفتاح، من خلال عرض أفلام عالمية صامتة، وغيرها من الأفلام الهندية والمصرية، واستقبال المقاهي لجيل من الشباب الباحث عن ذاته وهويته وحدود ارتباطه بالمكان، فكان العماني هو من انصهر في تلك البوتقة، في ظل شح وسائل الاتصال والتواصل مع العالم الخارجي، ولمعت أسماء من جيل المؤسسين الكبار من أمثال مصطفى وهبي التل (عرار) وتيسير السبول وحيدر محمود وإبراهيم العجلوني وغيرهم من رواد فترة النشأة، ثم تسلم مشعل النور كتاب وأدباء ومفكرين لمعت أسماؤهم في أرجاء الوطن العربي والعالم بفضل التقدم التكنولوجي وسهولة التواصل، ونافسوا على أهم الجوائز في مجالات الأدب والفنون كافة، من مثل الروائي إبراهيم نصرالله والأديبة سميحة خريس والمؤرخة الدكتورة هند أبو الشعر، والشاعر موسى حوامدة والشاعر علي الفاعوري والشاعر جريس سماوي والشاعر محمد جمال عمرو والروائي جلال البرجس وغيرهم من نجوم أردنية لمعت في سماء عمان والوطن العربي.

وما يميز مدينة عمان حاليا عن غيرها من المحافظات الأردنية هو إقامة فعاليات ثقافية كثيرة ومتنوعة في أوقات زمنية متقاربة، وتبني جهات وهيئات عمانية خاصة حراكا ثقافيا نشطا في إقامة الأمسيات الشعرية والندوات الحوارية وحفلات إشهار الروايات والكتب الجديدة إلى جانب فعاليات الجهات الثقافية الرسمية كوزارة الثقافة، وقد يكون ذلك أمرا محمودا، ويلبي حاجة الكتاب الشباب في التواصل والاندماج مع مجتمع الفكر والأدب، إلا أنه وفي الوقت ذاته، قد يكون من جهة أخرى نشاطا مرهقا ومشتتا للمهتمين، قد يؤدي لعزوف معظمهم عن الحضور، في ظل غياب التنسيق بين تلك الجهات وتضارب مواعيد تلك الفعاليات

أو تكرارها، أو عدم قدرتها على إضافة قيمة نوعية للحضور.

وتبقى فعالية إقامة معرض الكتاب السنوي في العاصمة عمان هي الفعالية الكبرى التي تفخر بها المدينة، وملتقى أفئدة الكتاب والأدباء والشعراء والمهتمين، والمكان الذي تستضيف فيه عمان كل الأردنيين والعرب، وتمارس فيه عشقها للتنوع والإبداع والثقافة والتنوير، وتقدم نفسها بما يليق بها، وبكتابها عبر الأجيال.

  • نقلا عن مجلة صوت الجيل العدد 22

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى