كتاب

جلسة على موائد الفلسفة في كتاب (دوستويفسكي وكانط _ حوارات الأخلاق) للكاتبة أفرجينا تشيركاسوفا ترجمة _ عمار كاظم محمد بغداد ٢٠١٨

تقديم | غصون غانم

نظَر أعرابي إلى مكتبة عامرة بالكتب القديمة فقال : «إني أعرف جميع ما في هذه الكتب كلها تقول أيها الإنسان كن خيرا» . .

إن الأخلاق بوصفها منظومة من القيم الإنسانية الخيّرة تجعل من الإنسان كائناً حُراً غائياً يغمره الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية للخير كرغبه داخليه لأن يكون أخلاقياً وجزء من السعي لتحقيق الكمال والذي بدوره يرتقي إلى أسمى أهداف الحياة وتحقيق السمو الذي يترتب عنه فضائل جمّة منها : الصدق والإيثار والتضحية والاستقامة والمحبة واللاعنف والسلام والتواضع وطهارة القلب ، ومن ناحية أخرى فإن الكذب والغش والخداع والأنانية والقسوة والعنف والتطرف وتدمير الطبيعة وإلحاق الأذى بالكائنات الحية وبالبشر تُعتبر مدمرة للذات الفردية وللبشرية جمعاء ولأن القانون الأخلاقي جزء من الكون فإن القيام بما هو جدير به من الخير يعني العمل في انسجام مع الكون إن الرغبة بالخير لا يترتب عليها المتعة الشخصية أو المصلحة الذاتية لأن الواجب الأخلاقي في حقيقته الجوهريّة يتعارض كلياً مع النوازع الذاتية وأنه يقوم على الإحساس الداخلي الحرّ بقيمته الأخلاقية باعتبار أن الإنسان كائِناً يمتلك استعداداً للسير بطريق الخير والصلاح إلا أن لديه ميول غرائزية تدفعه نحو طريق الشر، في حين تميل الأخلاق إلى اقتراح جوانب من العدالة العالمية من قبل الوعي الأخلاقي المشترك للبشر .
يعد هذا الكتاب محاولةٌ معرفيةٌ منهجيةٌ لبناء فلسفة الأخلاق فقد أثبتت المؤلفه في هذه الدراسة من الكتاب إمكان قيام نظرية أخلاقية متكاملة في عِلم الأخلاق ليكون مبدأ أخلاقي عالمي ينص على أنه ينبغي للفرد دائمًا أن يحترم إنسانية الآخرين، وأنه لا ينبغي للمرء أن يتصرف إلا وفقًا للقواعد التي يمكن أن تنطبق على الجميع فكانط في كتابه “أسُس ميتافيزقيا الأخلاق” (1960) يقول في تحليلٍ للنّص: “تصرّف على نحو تعامل معه الإنسانية في شخصك، كما في شخص غيرك، دائماً وأبداً، كغايةٍ وليس مُجرَّد وسيلة بتاتاً ” وفي حوار ملئ بلإيجابية والتودد لعمالقة الفلاسفة والروائيين تجمع فيه المؤلفة بين الروائي الفلسفي ديستويفسكي والفيلسوف الكبير كانط توضح فيه تباين وجهات النظر بينهما في النظر للجانب الأخلاقي من سلوك الأنسان يتوحد فيه العقل والقلب سوياً وجنباً الى جنب من أجل الوصول الى التصرف الأخلاقي الصحيح لتكشف لنا نقاط الإلتقاء بين الفيلسوفين الكبيرين ليقتربا في النهاية من بعضهما في مملكة الغايات، تصل المؤلفة بنا بهذا الحوار الى نتيجة جديدة أطلقت عليها اسم (علم أخلاق القلب) ( Deontology of heart) بمحاولة لإيجاد مفتاح لطبيعة الأخلاق لتؤكد فيه على أولوية الفضيلة والسعادة والاستقلال واحترام الذات مناشدةً للعقل والمشاعر معاً وذلك من منطلق حاجتنا الملحة كمجتمع لعلم أخلاق يُسهم بصنع أسس الخير والحق والجمال، وفي لقاء سيجمع كل من ديستويفسكي وكانط بفكرة القلب تقدم حلاً فريداً لمعظم الأجابات من منظور أخلاقي يصور طبيعة الواجب بطريقة مختلفة فكانط يرى أن العمل الأخلاقي يلزمه سبب عملي خالص غير مشروط، فالمشروط قائم على العقلانية أما بنسبة لديستويفسكي فيرى بأنه يكمن في القلب بمكامن الحب فالقلب يعتبر رمزاً للحياة والحب والمقدرة والتعاطف ومحور التصوف والدين والشعر ونجده في الأدب العالمي بتعابير واسعة وعميقة للعمل الروحي للقلب وديستويفسكي الذي يزخر أدبه بالقصص والخطاب السردي المذهل وأخلاقيات القلب لا يطالب بكمال وعالمية النظام الأخلاقي بل يصور الوعي الأخلاقي بشكل فني ومثير للإهتمام فأخلاقه بحد ذاتها هي ما تُشكل علم الأخلاق_ في تأكيدها للواجب والطابع الغير مشروط للقرار الأخلاقي مع تصويره لطابع الواجب الأخلاقي بطريقة مختلفه ليشترك مع أخلاق كانط بحماستها في علم أخلاق القلب وبرغم كل التناقدات الحادة بين المنظورين سنكتشف روابط موضوعية مثيرة للتفكير بالخير في تفاعل بين العقل والقلب وحدته وثراءه من خلال التفاعل العميق مع فن ديستويفسكي كمحتوى فكري يجيد التعبير للتحليل الوجودي الدرامي للملاحم المأساويه في الروايات الكبرى، ديستويفسكي لا يسرد رواياته فحسب بل إبداعه الفني الخلّاق يتطابق مع حدة العقل والتفكير المتعمق والمتعلم كدليل على معرفته بالنظرية المعرفية المتطورة . إن هذا العمل المنسجم مع فلسفة ديستويفسكي الدرامية وفلسفة كانط النقدية يوفر مادة ثرية لأستكشاف ظاهرة الأخلاق في العقل والقلب وتغطية الشكوك المتعلقة بالقيمة الأخلاقية للعقل التجريبي والملاحظات النفسية الحادة المتعلقة بالحرية والإرادة والتشدد القوي على تهذيب الحس الأخلاقي وفي اقتراناً استثنائياً مع الرؤى النفسية والفلسفية التي يقدمها ديستويفسكي بطريقة مثمره للتفكير في الخير.
تقدم لنا المؤلفة المحتوى في دراسة علم أخلاق القلب ببحثٍ منهجي في محاوله لتتغلب فيها على الثنائيات التجريدية للعقل والعواطف، الدنيوية والروحية، الفردي والأجتماعي بحوار استثنائي غني بالمصادر بأعمال كبرى لهذين المفكريين اللذيين يمثلان أدبا وفلسفة لثقافتين وقرنين وأثنين من التقاليد الفلسفية المنطقي الفلسفي والواقعي يعبر عنه دوستويفسكي في نثره العميق بالأسئلة الملعونة للبشرية، وفي أهم التحديات لهذا الكتاب هو جمعه بين السرد الخيالي والجدال الفلسفي المنهجي دون انتهاكٍ لتماسكهما في حفاظ على تعددية الأصوات في فن دوستويفسكي الشخصي والفكري والثقافي والدرامي من جهة وتحقيق العدالة لمفهوم كانط وطريقته الفلسفيه الصارمة من جهة أخرى وفي سياق تباين وجهات النظر بين هذه الأصوات التي تحمل جدالات متعدده وقناعات ومصائر مما يجعل المهمة التفسيرية والفلسفية مهمه شاقة ومتعدده بتقديم الكتاب كمجموعة مقالات فلسفية متنوعة تشمل على فصول وكل مقالة في هذه الفصول تختلف من الناحية الأسلوبية والبنيوية ففي الفصل الرئيسي بعنوان : “علم أخلاق القلب ” يُحدَّد رؤى علم الأخلاق لدى المفكريين ويُستكشف فيه أخلاقيات القلب وطبيعة الواجب الغير مشروط للقلب لدى دوستويفسكي وتباينه مع فرض العقل العملي وتطوره مع كانط ويختتم الفصل بإمكانية إيجاد تناغم موحد بين العقل والقلب في الأخلاق، فمحاور كانط هنا هو إيفان كرامازوف وأخوه الأصغر اليوشا كرامازوف والأب الروحي زوشيما . 
في الفصل الثاني بعنوان ” الحرية : مغامرة الإرادة ” يلتقي كانط بشخصية دوستويفسكي الشهيرة للبطل في رواية ” الرجل تحت الأرض ” في نقاش بشأن طبيعة الإرادة الإنسانيه والحريه والتعسف والاستبداد والفوضى ويدافع كانط عن وجهة نظره القائله بأن الحرية والعقلانية والأخلاقية مرتبطه بشكل جوهري يصر البطل من تحت الأرض بأن طبيعة الحرية هي الخطيئه في قفزة تتجاوز العقلانية والأخلاق فالطبيعة المتناقضة للإرادة الإنسانية وقوى التدمير الذاتي للحرية يتم كشفها في سلسلة تتعلق بنشوء فساد في القلب .
في الفصل الثالث تحت عنوان : ” الشر : مغامرة الروح المغرية ” يتم مناقشة الإنحطاط الأخلاقي بالكشف عن الجوانب الأخلاقية والمنهجية لعقيدة كانط عن الشر الراديكالي وتظهر مشكلة الشر في حدود يتم رسمها مع استنفاذ امكانيات التنظير الأخلاقي وتستمر معضلات القضايا الأخلاقيه وباللجوء الى دوستويفسكي يتبني السرد الفلسفي في رسمه للوحة القاتمه عن الشر بمجموعات من الشخصيات كمعالجة للأسئله الحاسمه للشر الإنساني والتي ظلت طوال الوقت غامضه لدى كانط مثل كيف يمكن الوصول الى عمق القلب الفاسد ؟ وهل نحن أشرار بطبيعتنا وهل يمكن أن نكون مسؤولين عن شرورنا ؟ لماذا يختار كل منا الحريه الروحيه على حساب السعادة والسلام والإزدهار العالمي ؟ يتم تناول ذلك من خلال شخصيتان خياليتان فريدتان هما الشيطان باعتباره المغيير النهائي للبشريه و ” كبير المفتشيين ” المحسن لذاته . 
أما الفصل الرابع والأخير وتحت عنوان : ” المجتمع “
يؤكد على فكرة المجتمع الأخلاقي لدى المفكريين في رؤيتين للمجتمع كانط في ” مملكة الغايات ” وعائلة دوستويفسكي من القلوب الحية ابتدأ الفصل بتحليل مفهوم كانط المثير للجدل عن الأنطوائي الإجتماعي في نزعتنا للبحث عن مكان بين الآخرين الذين لا يمكننا تحملهم ومع ذلك لانستطيع تحمل المغادرة وتناول استجابة كانط النسبية المتفائله لمشكلة الإنطوائي الإجتماعي في دراسة وجهة نظره للحب والتعاطف والاحترام، أما الاقسام الأخيرة فتمثل وجهة نظر الروائي في الحب والتعاطف والمعاناة ومفهومه للمسؤولية المجتمعيه ويجيب كل منهما عبر حوار عن الأخلاق بطريقة مختلفه عن الآخر في نقيض عن الأطروحات الفلسفية أو السرد الروائي بدون مناقشات مركزه ولا سرد يتطور في تجاوز خلّاق للمنهجية الفلسفية لكانط والفن الخيالي لدوستويفسكي .
وبرغم مرونة الأسلوب المقالي لدى الكاتبة والتي لم تسمح لها باستكشاف الأبعاد غير المشروطه للمأزق الإنساني إلا أنها توصلت لإلتقاء القصه مع الحجة من خلال الجمع بين هذين النوعيين من الأخلاقيات كفرصة للتقرب فلسفيا من سر قلب الأنسان والبحث في إمكانية وجود تناغم حقيقي بين العقل والقلب .
يشدد قانون “كانط” الأخلاقي من إصراره على أن تصرفات الفرد تمتلك قيمة أخلاقية فقط عندما يقوم الواجب بفعلها لذاته وهو قانون صارمٌ متعالٍ لا يسمح بأي استثناء ولا يُقر أي ميل مهما كانت الظروف والأحوال أصر كانط على أن الأفعال الناتجة عن الرغبات لا يمكن أن تكون حرة وأن الحرية لا يمكن العثور عليها إلا في العمل العقلاني و أن كل ما يطلبه العقل يجب أن يكون مطلوبًا من جميع الكائنات العاقلة؛ فالفعل العقلاني لا يمكن أن يرتكز على رغبات الفرد الشخصية، بل يجب أن يكون تصرفًا وفقًا لشيء يريده ليكون قانونًا عالمياً لقد استطاع توظيف معارفه الفلسفيّة في مواجهة أخطر التّحدّيات الّتي تتعرّض لها البشريّة ، وهي الحروب وما يرتبط بها من كوارث وويلات في مسعىً أخلاقيّ للارتقاء بالإنسانيّة إلى مستويات أكثرَ أخلاقيّة ورقيّاً وتقدّماً ونظراً لأهميّة الأخلاق في بناء الحياة الإنسانيّة، ارتأت الكاتبة على تسليط الضّوء على مذهب كانط الأخلاقيّ بوصفه أنموذجاً أبرز للفلسفة الأخلاقيّة حيث قام كانط بمعالجة كل هذه التعاليم الفلسفية في مختبر نقده وقارنها بالأفكار الأصلية لعقله العميق وخلق نظريات خالدة عن المعرفة والأخلاق ، فهم كانط المقولات الضرورية لعقولنا والتي منها تتولد المفاهيم وهو يعتبر أن دماغنا مكون لفهم الكون وعياً جادل كانط بأن القانون الأخلاقي هو حقيقة العقل، وبالتالي فإن جميع المخلوقات العاقلة ملزمة بنفس القانون الأخلاقي وهكذا رداً على سؤال “ماذا علي أن أفعل؟” يجيب كانط بأننا يجب أن نتصرف بعقلانية، وفقًا للقانون الأخلاقي العالمي كما جادل كانط أيضًا بأن نظريته الأخلاقية تتطلب الإيمان بالإرادة الحرة، والله، وخلود الروح مع أننا لا نستطيع أن نعرف هذه الأشياء، إلا أن التفكير في القانون الأخلاقي يؤدي إلى اعتقاد مبرر بها وهكذا رداً على سؤال “ماذا أتمنى؟” يجيب كانط أننا قد نأمل أن تكون أرواحنا خالدة وأن هناك بالفعل إله صمم العالم وفقًا لمبادئ العدالة ، فهو يرى الحاجة إلى الإيمان والأخلاق، ولو لم يكن في المقدور البرهنة عليهما تجريبيا أو عقليا؛ فكما كان في السماء قانون، وجب أن يكون في النفوس قانون يضاهيه سموا ورفعة هذه الفقرة جاءت في الفلسفة الأخلاقية في الفصل الأخير من كتابه «نقد العقل العملي» فالحرية الكانطية تهدف لتحرير الإنسان من السيطرة والطغيان وقد ختم كتابه “نقد العقل العملي” بقوله الشّهير :” شيآن كلّما تأمّلنا فيهما مزيداً فمزيداً من إمعان ، يملآن الذّهن بإعجابٍ ورعبٍ جديدين أبداً ، متزايدين دائماً ، إنّهما السّماوات المرصّعة بالكواكب فوق رأسي ، والقانون الأخلاقيّ في داخلي وليس عليّ أن أبحث عنهما ، أو أحدس راجماً بالغيب فيهما ، كما لو أنّهما كانا مقنّعين بديجور ، أو كانا في صقع مستشرف يقع ما وراء أفقي ، إنّني أراهما أمامي ، وأربطهما مباشرةً ، بإدراكي وجودي ” .
ووسع كانط فلسفته لتشمل جميع الكائنات العقلانية لتكون إلزامية أخلاقيا بغض النظر عن عواقبها على رفاهية الإنسان وتصف هذه الأخلاقيات عبارات مثل “الواجب من أجل الواجب”، و”الفضيلة هي محصلة النتيجة النهائيه للفعل فهو يعتقد أننا يجب أن نكون أخلاقيين من أجل الأخلاق نفسها، فاضلين من أجل الفضيلة نفسها كانت مساهمة كانط الأكثر تميزًا في الأخلاق هي إصراره على أن تصرفات الفرد تمتلك قيمة أخلاقية فقط عندما يقوم بفعله الواجب لذاته .
إن “نقد العقل الخالص” هو دراسة إلى أي مدى يمكن للعقل البشري، دون أي خبرة، أن يذهب في معرفة الأشياء والظواهر؛ وهذا نقد للعقلانية فهو يحاول الإشارة إلى عناصر مثل القدرة المعرفية، الإرادة والرغبات مُعتبراً وجوب أن يكون ذلك الخير خالياً من كل أشكال الرغبات الإنسانية والمنافِع والمصالح الذاتيّة كقوة متسامية تستطيع معرفة الأشياء دون الخضوع للتجربة فالإنسان بصفته كائناً ذا قيمة مطلقة أساسها العقل والفكر والأخلاق يمتلك وعياً لوجوده الذاتي وإدراكاً لما يحيط به من موجودات، وهو بذلك يختلف عن باقي الأشياء التي هي مُجرَّد وسائل وبسبب نزع الميتافيزيقا عن الأخلاق وبسبب توسع العقلانية الجديدة فقدت ارتباطها بالأخلاق والفضائل الأخلاقية، لذلك يواجه العالم الحديث أزمة أخلاقية وهذه أزمة عالمية فالقانون الأخلاقي رغم كونه قانوناً عاماً مطلقاً على الجميع، وثابتاً من غير زوال، إلا أنه يُخترق بالاستثناء لطبائع الإنسان وقدراته وعاداته وأعرافه؛ وبخلاف ما يتم الحديث عنه من قيم ومعاني سامية الا انها تبقى المصلحة الذاتية والفردانية للانسان تتغلب وتشتد من حضورها فتندثر الأخلاق شيئاً فشئ وتتهاوى البشريه الى القعر في محيط غياب النوازع الأخلاقية وانعدام القانون الأخلاقي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى