كتاب

كتاب زياد محمد الزعبي “حروب وزلازل وزعماء”…حين يكون العمل التطوعي صعودا من الجحيم وتخليدا للذاكرة

عرض: منذر كامل اللاّلا

“عندما يختلط واجبك الإنساني بإيمانك القومي والوطني، ممتزجا بروح المغامرة، تكون قادرا على أنْ تخوض بسلاحك الذي لا تمتلك غيره غمار تجارب بها مخاطرة، قد لا تعود منها إلى بيتك وعائلتك”؛ هذه الكلمات أراد الدكتور زياد محمد الزعبي من خلالها أنْ يعطينا مفتاحاً لقراءة كتابه الجديد والذي وصفه بأنّه: سردية بين الطبّ والسياسة لطبيب متطوِّع يسعى إلى توثيق الأعمال التطوعية الإنسانية التي قام بها خلال حوالي خمسين عاما بين عام: 1973 و 2023، تنقّل خلالها بين عدد من الدول التي كانت تمرّ بظروف حروب أو زلازل ، بدءا من مصر وحرب الـ73 وانتهاء بحلب حيث الزلزال الذي ضربها، وتركيا عام 2023، سيرة تطوعية وإنسانية عالية تميّز بها الدكتور الزعبي المسكون بالهم الإنساني وبالقومية العربية التي عايشها مع تجربة عبد الناصر في مصر أو من خلال تجارب حزب البعث العراقي والسوري واللبناني، يقف فيها الزعبي كشاهدٍ في محكمة ليروي فظاعة ما حدث في سردية –من خلال طبيب متطوِّع- غنية بمشاهد الخراب والموت والعنف والحروب والزلازل الذي يذكّر بجهنم كما رسمها الألماني جيروم بوش نهاية القرن الخامس عشر، وليكون شاهدا على القتلة بأسمائهم ويفضح طمس الحقائق، ويضع سرديته أمانةً في أعناقنا فنتسلّمها لنأخذ منها العبر ولنقدمها “إلى جيل الشباب علّها تكون حافزا لهم لأخذ دورهم في استلهام متعة التطوّع لإنقاذ مصاب لا ذنب له سوى أنّه يعيش في منطقة يعبث بها اعداء، لهم من القوّة لخلق صراعات عبثية لبيع أسلحتهم والاستيلاء على ثروات الغير “.

يحتوي الكتاب على 304 صفحات ويتضمّن إهداء خاصّا للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حيث حظي المؤلِّف برعايته طوال عشرين عاما كان فيها جراحا للعظام في أبو ظبي – حيث لم يتوانَ الشيخ زايد عن تقديم الفزعة العروبية النقية والنخوة الإنسانية التي لا تشوبها مصلحة ولا منفعة.

وقدّم للكتاب الدكتور يوسف الحسن حيث وصف المؤلِّف بأنّه لم ينعزل داخل بيئة الطبّ وتخصّصه ورغد العيش وفضاءات الأنانية، بل خرج عن السائد ورموزه إلى الراوي والشاهد والمشارك.

مع العلم أنّ الكتاب دخل المطبعة في أوّل أيام طوفان الأقصى. وقد حاول الدكتور الزعبي الذهاب إلى غزّة، وكان همّه الأوّل ترتيب كلّ ما يلزم لدخول الأطباء المتطوِّعين لغزّة وقد جمع حوالي 850 متطوِّعا، لكن للأسف تعذّر إرسال الأطباء إلى غزَّة.

وقد قسّم د. زياد الزعبي مؤلَّفه كالآتي:

الفصل الأول: معركة العبور 1973 وكان المؤلِّف طالبا في كلية الطّب البشري جامعة القاهرة في السنة الأخيرة، وقد بادر وزملاؤه الطلبة الأردنيون وكان منهم نبيل بطارسة لطلب التطوّع في علاج جرحى الحرب، حيث تطوع في قسم الحروق في مستشفى القصر العيني، إلى منتصف شهر 11/1973 وساعد في علاج جرحى حروق معركة العبور.

الفصل الثاني: زلزال الجزائر وسمي باسم “زلزال مدينة الأصنام” وحدث في شهر 10/1980 وكان الأشدّ في جملة الزلازل التي ضربت الجزائر في القرن العشرين، إذ بلغَت قوّتُه 7,3 درجات على سلّم ريختر. وتكفي، للاستدلال على ذلك، الإشارة إلى أنّه دمّر قرابة ثمانين في المئة من المدينة، وخلّف صدْعاً بلغ طولُه أكثرَ من ستّة وثلاثين كيلومتراً. أمّا الضحايا، فقد بلغ عددُهم قرابة 3000 قتيل، وأكثرَ من عشرة آلاف جريح، وقد توجّه وفد طبي إغاثي من دولة الإمارات وكان المؤلِّف من ضمن الوفد الذي استقر في مستشفى بليدة خارج العاصمة واستقبل عشرات الجرحى والمصابين من بلدة الأصنام.

الفصل الثالث: العدوان الصهيوني على لبنان.

شارك المؤلِّف في التجهيز والتطوّع طبيبا في عدّة اعتداءات إسرائيلية على لبنان، أعوام 1977 / 1978 / 1979 / وفي عملية اجتياح بيروت عام 1982 – حيث تمّ تجهيز بعثة طبّية انطلقت من المستشفى المركزي في أبو ظبي باتّجاه مطار دمشق ومن ثمّ التوجّه إلى مستشفى برّ الياس الميداني الذي كان يديره الهلال الأحمر الفلسطيني، حيث تمّ علاج الجرحى من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين، وشهدت هذه الفترة استخدام الإسرائيليين أنواعا جديدة من المقذوفات والرصاص التي لم ترصد سابقا، وهي تتميّز بإصابتها العديد من الأشخاص حول مكان انفجارها، والتي ينتج عن انفجارها انقذاف العديد من الكرات فائقة السرعة، والتي تخترق الجسم وينتج عنها قطع حارقة تدخل إلى الجسم، حيث قام الأطباء بتعيين ممرض خاصّ مسلح بمقصات، لتمزيق أية ملابس يلبسها فدائي أو جندي سوري أو المدني، من أجل البحث عن مداخل ومخارج هذه المقذوفات من أجل معرفة مكان الإصابة وتوجيه الأطباء لعلاجه .

انتقل بعدها المؤلِّف إلى مستشفى بعلبك الأهلي خشية تعرّضه للخطر بعد اختلافه في الرأي مع قياديين من المنظمة، وهناك كانت مفاجأة من العيار الثقيل للمؤلِّف حينما عالج طيّارا إسرائيليا أُسقِطت طائرته فوق البقاع اللبنانية، وكان هذا الطيّار صامتا أثناء فترة علاجه من أجل أنْ يداري حقيقته، وأن يتمكنّ من الهروب والعودة إلى مضاربه.

الفصل الرابع: زلزال أرمينيا 1980 حيث تمّ تجهيز طائرة ضخمة للمساعدات الطبية، ونظرا للظروف الأمنية ولقلّة المستشفيات وانقطاع الكهرباء، آثرت البعثة على المغادرة في اليوم التالي.

الفصل الخامس: حرب الخليج الثانية 1991، حيث كان دور المؤلِّف وضْع خطط مع كافّة الجهات في دولة الإمارات في حال امتدّت الحرب أو تمّ استخدام أسلحة جرثومية.

وبعد عودته إلى الأردن عام 1995 ساهم المؤلِّف في تأسيس روابط مع أطباء العراق من أجل تقليص الفجوة المعرفية مع أطباء المتبقين في العراق بعد الحصار الطويل الذي تعرّضت له بلادهم، كما ساهم أيضاً في عقد المؤتمر الأوّل للعمود الفقري، عدا عن العمليات الجراحية المعقّدة التي كان يجريها في بغداد.

الفصل السادس: حروب اليمن. شارك المؤلِّف في زيارة اليمن لعدّة سنوات متباعدة فقد كان يجري العمليات المعقّدة على العمود الفقري والمفاصل والعظام، وكان مشاركا في مؤتمرات علمية وللمساهمة في تأسيس جمعية العظام اليمنية؛ وفي عام 2015 ومع بدء حرب اليمن والسعودية كان متواجدا في المستشفى السعودي الألماني في مدينة صنعاء واضطُر إلى مغادرة اليمن قبل تطوّعه في مستشفى الثورة لعلاج جرحى الحرب. وكان له دور في علاج الجرحى اليمنيين أثناء حرب الانفصال عام 1993 .

الفصل السابع: حرب البوسنة والهرسك ومشاركة الدكتور من خلال ترأسه فريقا طبيا لعلاج الجرحى من حرب البوسنة والهرسك عام 1991، حيث كان يتمّ نقل الجرحى بترتيب من الصليب الأحمر الدولي من المدن البوسنية إلى مطار مدينة أنكونا الإيطالية؛ ومن ثمّ إلى عدّة دول ومنها الإمارات. حيث قضى عدّة أسابيع يعالج الجرحى في مستشفى أبو ظبي المركزي.  

الفصل الثامن: فصل يختصّ بالزعماء الذين قابلهم المؤلِّف اثناء عمله التطوعي ومهنته، حيث التقى برؤساء دول ووزراء بقيادات عسكرية وسياسية ومفكرين، ومنهم القذافي والبشير وعبدربه هادي منصور وعلي عزت بيغوفتش وعبدالله الأحمر وطارق عزيز وغيرهم، وكانت لقاءات تحمل طابعا حواريا وسياسيا فكريا ولا يخلو من امتعاض أو تدبير تصفية كما حدث في حرب بيروت أو امتعاض القذافي من أسئلة د. زياد الزعبي عن القومية العربية والناصرية .

ملحوظات على هامش الكتاب: –

لم يغفل المؤلِّف الجانب السياسي الذي تضمنّه الكتاب وأشار إليه في العنوان، حيث انطلق من وثيقة بانيرمان ووعد بلفور واتّفاقية سايكس بيكو، وجاء في وثيقة بانيرمان “كما في مضمون إعلانها إلى ضرورة: “استمرار تأخّر المنطقة، وتجزئتها وإبقاء شعوبها مضلّلة جاهلة متناحرة، ومحاربة اتّحاد هذه الشعوب وارتباطها بأيّ نوع من أنواع الارتباط الفكري أو الرّوحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العملية القوية لفصلها عن بعضها البعض “ومهّدت لقيام دولة الكيان الصهيوني حيث تبنّت الوثيقة: إقامة حاجز بشريّ قويّ وغريب بحيث يشكل في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس قوّة صديقة للاستعمار عدوّة لسكان المنطقة” وتضمن الكتاب أيضا نبذات تاريخية عن البلدان التي زارها المؤلِّف بهدف المساعدة، وهي نبذات مختصرة ومفيدة وتمهِّد للدخول إلى جوهرها – كما أكمل حديثه عن الجزائر أو اليمن أو أرمينيا أو جيبوتي أو سوريا، وتضمن الكتاب الأفكار السياسية والمواقف التي تبنّاها الكاتب وكان يدافع عنها ويسعى لها وكان مشتبكا إيجابيا في كلّ محطّات عمله التطوعي ويسعى إلى وحدة الأمّة وإلى تعضيد سبل قوّتها واستعادة أمجادها .

لم يستطع المؤلِّف زيارة غزّة رغم تعدّد حروب الكيان عليها وآخرها “معركة طوفان الأقصى” حيث طلب من الحكومة الأردنية المساعدة في إدخال أطباء أردنيين للتطوّع في مساعدة جرحى العدوان الصهيوني، وما يزال يحاول من أجل ذلك، وفي حرب تمّوز 2006 بين الاحتلال وحزب الله في البنان، لم يستطع أيضا التطوعّ كما حدث في حرب بيروت عام 1982 لاعتبارات طائفية.

سلّط المؤلِّف الضوء على ضحايا حالات الاغتصاب التي كان يقوم بها الصرب اتجاه نساء البوسنة، حيث كانت القوّات الصربية تستخدم الاغتصاب بشكل منهجي وكانت تتمّ نتيجة أوامر قيادية وبرضا كامل من السلطات والقادة المحلّيين الصربيين، وكلّ ذلك بهدف إجبار البوسنيين على الهروب من أراضيهم ومن أجل إظهار قوّة الغزاة، وخلّصت تقارير عدّة إلى عدد اللواتي تعرّضن للاغتصاب أكثر من 20 ألف حالة.

أشار المؤلِّف إلى الدور الإيجابي الذي تحملته أسرته في سنوات التطوّع الطويلة، وفي هذا المجال يكتب المؤلِّف وهو يناظر عيون ابنه مظفّر: عندما تكبر ستفهم معنى هذه التضحيات بالنفس والوقت والجهد، ستفهم أنْ القضية قضيتنا، هؤلاء يدافعون عن كرامة الأمّة بأسرها، يستحقّون منّا كلّ التضحيات، قد لا يجدون يد جرّاح يضمّد جراحهم ويستأصل من أجسادهم رصاصة من عدوّ غاشم… الخ.

الخاتمة:

ما يكتبه الدكتور زياد الزعبي وفي هذه الظروف المصيرية التي تمّر بها المنطقة لا سيما غزّة وفلسطين، يكتب متمثِّلا بما يقوله ندره بروتون، ليس لأغوي، بل لأنّي لا أستطيع أنْ أكون أصمّ حيال صوتٍ – أو نداءٍ – فريد من نوعه؛ لا يكلّ؛ يدعوني إلى ألاّ أتلاعب، وإلى ألاّ أغشّ. وها هو يكتب استجابة لصوت نداء، ومن دون تلاعبٍ، ولا غشّ، من أجل أنْ يشهّر بهذه الفضيحة الإنسانية المفجعة. ومن أجل أنْ “يقتلها”، يكتب من أجل الحقيقة. والأمل. والانعتاق. والحرية.

فإذا كان ثمّة، بيننا، مَن لا يرضى بأحوال هذا الأمر الواقع، فالكتاب، إذاً، دعوةٌ إلى الانتفاض على هذه الأحوال، والعمل على بلورة فاعليات القوى الحيّة والخلاّقة، لاجتراح “شيءٍ ما. والكتاب كشاهد عيان ينطبق عليه كلّ الانطباق، ما قاله أميرنا وفارسنا وشاعرنا الحزين المقدام أبو فراس الحمداني، الذي تركه أسياد بني قومه وأهله، رهين السجن والغربة والوحشة القاتلة، حين أطلق صرخته المدوّية:

سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم

وفي الليلة الظلماء يُفتقَد البدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى