كتاب

ذاكرة المكان وظلالها على الوجدان في “طقوس التذكّر المحرّم” للقاص أسامة المجالي

بقلم: سمر السيد
.
ما كان كامناً في ذاكرتنا المكانية وما ارتبط به من مشاعر وجدانية، يأتي الزمان ليستنهض ذاك الكامن الحي ويسعفه من كبوته ليعبر عنه في سياق تاريخي، وقد يأبى المكان إلاّ أن يذِّكرنا هو بذاته، فنراه يقودنا إليه بتأثير من الحنين الجارف إليه، ونحن بحاجة لاسترجاع هذه الذكريات لنقف مجددا على حقائق الماضي وتجاربنا الحياتية بنظرة مجردة تعيننا على السير قدما وبنظرة حنين لما كان المكان عليه وما كنا نحن عليه آنذاك، فنرتاح قليلا من صخب الحياة ومتاعبها، وفي هذا يسير بنا الكاتب والقاص د. أسامة المجالي في رحلة تذكّرية عبر المكان في نصوص كتابه ” طقوس التذكر المحرّم ” الصادر عن دار أزمنة للنشر والتوزيع (2021) ويتألف الكتاب من ثلاثين نصا سرديا في 126 صفحة من القطع المتوسط، وتمايز هذا الكتاب بتباين أجناسه الأدبية ما بين قصة وخاطرة ومذكرات ورسائل وغيرها إلى ما هو خليط من الأجناس، بينما كانت السمة المشتركة في المجموعة هي جمالية اللغة المستخدمة وبلاغتها وقدرتها على التعبير عن الشعور الإنساني ووصف أجزاء الزمان والأحداث التاريخية وتوثيق تفاصيل المكان بدقة متناهية، وبرغم اعتماد الكاتب أسلوب السرد الواقعي الذي لا يحتمل عدة تفسيرات، كان هناك جانب رمزي، ليتفكر القارئ ويتأمل ويعمل ذهنه في اختيار التأويل الملائم لرمزية النص.
كتب الكاتب هذه النصوص السردية على مدار عشرين عاما بدءا بعام 1987 وانتهاء بعام 2007 وفي مدن مختلفة سواء كانت داخل الأردن مثل مدن عمّان والزرقاء والكرك أم خارج الأردن مثل مدن إستنبول والرياض وبغداد وغيرها، وبذلك أتقنت سرد تفاصيل الحياة الواقعية بأبعادها السياسية والاجتماعية والنفسية في تلك الحقبة الزمنية المُتأثرة بتداعيات المفاصل التاريخية الهامة في القرن الماضي وبقدر ما يسيطر عليها هالة المكان وما كان مرتبطا به من شعور وطني وقومي وحس بالانتماء له، وقد تجلى البعد النفسي في النصوص، إذ تظهر مشاعر الحزن والقلق والإحباط والحنين والخيبة والمحبة وغيرها من المشاعر على الشخصيات الساردة للنصوص التي ما كانت تحادث الآخرين بقدر ما كانت تلاحظهم وتشعر بهم، فلم يتواجد عنصر الحوار في كثير من النصوص السردية، كما غاب عنا أسماء الشخصيات، إذ تسرد معظم شخصيات الكتاب بصفة الراوي العليم ببواطن الأمور دون أن يكون مشاركا في الحدث.
وفي نصوص يتشابك فيها الزمان مع المكان في شحذ الذكريات التاريخية لتطل على السطح وتحدث أثرها الشعوري على السارد، وإن كان للزمان الدور الأبرز في ذلك، ينتاب الطبيب “شعوراً ما بالذنب عندما بدأ يخط تاريخ ذلك اليوم على وصفات الدواء ” (المجالي 13) في قصة “طقوس التذكر المحرم” التي كُتبت بتاريخ 5 حزيران عام 1995 في منطقة غور الأردن، تلك المنطقة القريبة من فلسطين، فقد نسى الطبيب التاريخ (ذكرى نكسة فلسطين 1967) وما يعنيه في غمرة انشغاله بالحياة ليدور في دوامة اللوم والجلد للذات بسبب هذا النسيان، لذا قرر أن يعيد ذكر هذا التاريخ بالحروف وليس بالترتيب الرقمي للشهر أمام مراجعي العيادة الصحية، لئلا تفوتهم هذه الذكرى كما فاتته، فلاحظ علامات الأسى والحزن تغزو ملامح معظمهم، وأكثر ما ظهر ذلك كان على وجه سيدة لاجئة من بلاد النكسة، فيقول الكاتب: “وتنز قطرة دمع مقهورة تسرع صاحبتها ذات الخمسين عاماً بمسحها بظاهر يدها تحاول أن تخفي داخلها كمّاً هائلاً من الحزن المتدفّق بعد استفزازه لها بالتاريخ ، تاريخ ذلك اليوم ، لعلَّها تذكّرت النهر الضحل والخائضين عبره في عتمة ليل الخوف والفزع في ذلك اليوم الصيفي الحارّ” (14)، وفي مفارقة مؤلمة، يغيب معنى هذا التاريخ في ذاكرة ذاك الشاب العشريني المراجع للعيادة، وفي حين يعمد الكاتب إلى أنسنة قطعة النقد ذات الخمسة قروش “الشلن” في قصة “قطعة نقد” التي كُتبت في مدينة عمان بتاريخ 23/5/1997، فيُشعِرُنا بمعاناة “الشلن” وهو يعقد بحزن مقارنة وجودية بين ما كان عليه من ثقل مادي في عقود خلت وبين ما أصبح عليه من تضاؤل بالقيمة بتأثير من الأحداث السياسية التي عصفت بمنطقتنا خلال القرن الماضي، لدرجة أن المتسول يأخذها بازدراء مستهينا بقيمتها وهو يقول: (” شلن”، بس “شلن”، ماذا سأفعل أنا بهذا “الشلن”) (20).
ولكن، هناك قصصا تُحيّد أثر الزمان في إطلاق ذاك الشعور المـتأصل في النفس الإنسانية، فتتجاهل ذكر تاريخ محدد، كما في قصة “بكاء” في مدينة غزّة المؤرخة بكل الأوقات، فبكاء أطفالها لم يتوقف منذ العدوان الإسرائيلي وحصاره منذ زمن بعيد ولغاية الآن، بينما تجري مجريات الأحداث في نص أو قصة “فرانكشتاين عراقي” في مدينة بغداد بتاريخ “كل يوم من عام 2003 و2004 وحتى الآن”، فمشاعر الألم والخيبة تُطِل على السارد فيما يسرده من حوار بين رفيقين في المقهى المطل على ساحة الفردوس خلال فترة الهدنة غير المكتوبة بين الفاصائل المتناحرة في بغداد، إذ يُحلِل الرفيقان الأوضاع الأمنية في بغداد منذ بدء دخول الدبابات الأمريكية عام 2003 لينتهي الحوار بينهما بنظرة استباقية استشرافية متشائمة، فيقول أحدهما: ” وهكذا يا عزيزي تتوالى دوامة الدم العراقي المسفوح دونما توقف، الكل يدلل على وجهة نظره بمزيد من التدمير والتدمير الذاتي المتبادل للعراق، العراق واهب المحار والردى معاً…… ” (ص 126)
ويقود الحنين د. أسامة المجالي لكتابة نصوص عن مدن مختلفة، لتحتل فيها مدينة الزرقاء نصيب الأسد، وقد كُتِبَت في الفترة الممتدة ما بين عام 1990 إلى 1998 ، ويقول الكاتب في نص الشارع الأول / الزرقاء عام 1995 عن مدينة الزرقاء: ” فمنذ تأسيس المدينة راقب الشارع بصمت أفواج المهاجرين والعابرين فوقه منذ افتتاحه كخط مستقيم متواز مع شوارع المدينة المستقيمة أيضاً بلا أي تعرج … ” (ص 58) ، في حين يسهب الكاتب أكثر في سرد تفاصيل الحياة اليومية ومعاناة المواطنين ضمن إطار أمكنة شارع السعادة وسكة الحديد والمجمَّع ، بينما كان المسجد الصغير بمثابة الواحة النفسية في نص (الزرقاء/الواحة) ، وفي مكان آخر، تنتاب الكاتب السارد الحيرة في قصة “القرية مفاتيح الالتقاء والغربة” عام 1995، فهو لا يستطيع إيجاد بداية مناسبة لقصته التي ينوي كتابتها، بيد أنَّ تدفق الذكريات الحميمة المتوزعة في ثنايا بيت العائلة الكائن في قرية شيحان / الكرك ساعده في ذلك، ويتخطى الكاتب حدود الأردن ليسرد علينا تفاصيل تاريخية أو ذكريات شخصية في مدن أخرى مثل إستانبول وحماة ومكة والرياض ومكة المكرمة، فمثلا في نص “رسائل إلى زيد” المكتوبة في الرياض من عام 2002 يعرض تجربته الحسية والشعورية في مطاعم الرياض التي تضم بين جنابتها أكلات تتجاوز حدود المكان من وجبات تقليدية للهند واليمن وتركيا أو وجبات سريعة لأمريكا. ولا يفوتني أن أذكر هنا، أن هناك نصوصا أخرى في الكتاب لا تقل أهمية عما ذكرته من نصوص تتناول محور الاسترجاع الزمني في دائرة المكان ومحاور أخرى تتعمق أكثر في دائرة الصراع الفكري والاجتماعي.
في نصوص سردية متنوعة الأجناس الأدبية تُعبّر عن مخالج النفس البشرية وأفكارها وهواجسها حين تستحضر المكان وأجزاءه وما رافقه من تفاصيل تاريخية هامة خلال فترة كتابة النصوص، نجح الكاتب القاص د. أسامة المجالي في جعلنا ندور في دائرة ذاكرتنا المكانية والزمانية، حتى وإن اختلفت في جزء منها يسير أو كثير عن ذاكرة شخصيات نصوصه، فما يهمنا هو عملية الاسترجاع الزماني للمكان بحد ذاتها وإن تباينت تفاصيله، فنحن في النهاية أبناء الحاضر المبني على الماضي ليبني المستقبل الأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى