كتاب

صفاء الحطاب: رواية “قناع بلون السماء”…ملامح الهوية الفلسطينية بين التحقق والذوبان

تذهب بنا رواية “قناع بلون السماء” إلى أبعد مما هو حكائي، إلى دلالة ورؤية أدبية إبداعية وفكرية وذهنية عميقة، وتصور هواجس وطنية في أبعاد وجودية فلسفية، وتثير سؤال الهوية، وتنبش في أعماق التاريخ، محاولة الإجابة عن أسئلة وجودية مصيرية؛ من الأصل؟ ومن الانعكاس؟ كيف يمكن أن يولد ويعيش ويموت شخص في فضاء الهامش، وآخر في فضاء المركز، من يقرر ذلك؟ وعلى ماذا يعتمد كل ذلك؟

وما الحلول التي يمكن أن تساعد في حل المعضلة؟ وما هي الفوارق والحدود بين صاحب الأرض والمحتل؟

يذهب بنا الكاتب والأسير “باسم خندقجي” بعيدا بعنوانه المختلف، “قناع” يحمل دلالة الاختباء والتخفي لوجه حقيقي من أمر ما لا يمكنه مواجهته لسبب ما، ثم تأتي التتمة “بلون السماء” ويأتي التحديد باللونين الأبيض والأزرق في ثنايا السرد، وكأنها رمزية لعلم دولة الاحتلال، ويتكشف لنا أثناء عبور البوابة الأولى للرواية، أننا ندخل عالما معقدا يعيشه الشاب “نور” الذي يولد من رحم المخيم لأم تموت بعد الوضع مباشرة، وأب مناضل مهيوب الجانب يقبع في الأسر، يتربى نور في كنف جدته، إلى أن يخرج والده من السجن بعد اتفاقية أوسلو، في حال آخر من الخواء والشعور بالخيبة والالتباس، ويصور لنا الكاتب هذه الحالة بإجابة الأب المختصرة والمزلزلة لمن سأله عن خطته بعد خروجه من المعتقل، بقوله متهكما بأنه سيعمل قهوة وشاي!

أراد الكاتب من خلال شخصية نور وصديقه المعتقل مراد، والمراسلات بينهما، والحبكة التي أحكمها حول رغبة نور بتأليف رواية يرد بها على رواية دان براوان “شيفرة دافنشي” عن قصة مريم المجدلية، أن يقدم المسوغ لبحث نور المعمق عن تاريخ “مريم المجدلية”، والتي أرى بأنها تصور هنا عمق الهوية الفلسطينية والتجذر بالمكان بشكل ما من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت مدخلا لتفنيد الروايات الدينية عن المكان، وكيف أنها تختلف من نص لآخر، ولا يمكن القطع بصحة أي منها وتفضيله على النصوص الأخرى كوثيقة تاريخية، ومن جانب آخر أراد نور أن يتبع خطى المجدلية طلبا للتحرر والتطهر، كما فعلت هي بسكب عطر الناردين المستخرج من المكان على قدمي المسيح ومسحته بشعرها.

يسعى نور الوسيم والمهتم بالآثار لتحقيق هدفه بالوصول إلى المواقع الأثرية المرتبطة بما يبحث عنه خدمة لروايته، مستعينا بالهوية الزرقاء، التي وجدها صدفة في جيب معطف اشتراه من سوق لبيع الملابس المستعملة، والتي تحمل اسم “أور شابير”، والتي ستكون قناعه وشكل من أشكال الصراع بين الحقيقي والظل حتى آخر الرواية، وقد اختار الكاتب أن يكون عمل نور “دليل سياحي” أي من يقدم السردية التاريخية عن المكان، ليتحقق الصراع بصورة جلية، ويتمكن من تقديم السردية الحقيقية وضدها للقارئ، مشيرا إلى أهمية من يروي الحكاية، وما النتائج المترتبة على ذلك.

يعكس الكاتب علاقته بالمكان في ظل هذا الضياع والبحث عن الحقيقة من خلال تصنيفه للأمكنة، القدس عنده هي الحقيقة المتجددة، والقادرة على تشييد بيوتها بعد كل خراب، رام الله هي القناع والمدينة المصطنعة وليست الحقيقة، المخيم على ما فيه من ظلم وتعب وظروف قاهرة إلا أنه الرحم الذي يوفر الحماية عند اللزوم.

في رحلة البحث التي يخوضها “نور” يربط الكاتب بشكل ما بين فكرة “الغنوصية” في المسيحية وفكرة “الصوفية” في الإسلام، وبحثه عن اللمسة الإلهية النورانية، التي تلامس الحقيقة، والتي تقدر الروح، ويمكنها معالجة النقص البشري والتعامل معه، وكأنها مقترح لراحة الروح المتعبة في مرحلة ما، وأنه يريد أن يتجلى إلى إنسان من نور، يمكنه أن يولد من جديد.

في نهاية الرواية يشير الكاتب إلى المقاومة المسلحة على الأرض، ودورها في إيقاف المخططات الاستعمارية للأمكنة، ويتعرف نور إلى الشخصية العملية المتحققة على الأرض دون قناع الباحثة “سما إسماعيل”، الفلسطينية التي تحمل هوية الاحتلال بالولادة في الأرض المحتلة عام 1948، والتي تضع هذا التاريخ كوشم على ذراعها وتقاوم بكل طاقتها لتقديم السردية التاريخية الحقيقية، ليجد أنها هي مريم المجدلية بشكل ما، والتي يمكنه معها أن ينزع قناعه، ويتحرر من قيوده، ويتحقق كصاحب أرض يسعى لتحريرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى