كتاب

قراءة وجدانية لرواية “791 -معسكر الاعتقال رقم ١” للأديبة صفاء الحطاب

خالد سعيد


(( ما دامت الذاكرة حية ، ستبقى شجرة الأمل بالعودة خضراء ))* ، قالها مناضل فلسطيني راحل، حمل السلاح وخبِر المعتقل وكان مشعلا للذاكرة وداعية للتمسك بحق العودة ،، خلال مسيرة نضاله الممتدة على مدى العمر منذ النكبة حتى رحيله إلى دار الحق .
تحت ظلال هذا القول وجدت نفسي أقرأ رواية الأديبة الروائية صفاء حطاب ، وأعيش محطات فصليها ، هذه الرواية التي تنتمي بإمتياز الى أدب الذاكرة الفلسطينية الذي يسعى إلى إعادة إحياء صفحات مدفونة من تاريخ النكبة ، وبخاصة تجربة المعتقلات الإسرائيلية الأولى التي أُقيمت بعد عام النكبة ٤٨ ، وهي مأساة لم تحظَ بالاهتمام التوثيقي والاعلامي الكافي. ومن هنا تأتي أهمية العمل بوصفه مساهمة في إعادة الاعتبار للضحايا وقصصهم الفردية التي ذابت في الرواية العامة للنكبة.
تقوم الرواية على فكرة مركزية مفادها أن استعادة الذاكرة هي شكل من أشكال المقاومة الحاضرة فالكاتبة لا تكتفي بسرد معاناة المعتقلين، بل تحاول أن تعيد إليهم حضورهم الإنساني من خلال إحياء قصصهم ،، بعد أن جرى تغييبهم تاريخيًا ، فما الإنسان سوى قصصه بين تاريخه وأحلامه ،، وبهذا المعنى تصبح الكتابة نفسها فعلًا أخلاقيًا يواجه النسيان، كما يعيد فتح ملف الظلم الذي وقع وما زال مستمرا .
وتقدّم الرواية الفلسطينيين بوصفهم جسدًا جماعيًا واحدًا تعرّض لجريمة الاقتلاع والاعتقال والتعذيب ، وبما يشعر القاريء بألم هذا الإنسان ، كما لو انه يشاركه الاحساس بالصدمة والضياع والخوف من المجهول ،، ودون التفريق بين مسلم ومسيحي أو بين فلاح قروي وساكن المدينة ،، الكل أصبح مستهدفا لذاته الفلسطينية ، ولعل في هذا التقديم ما يمنح النص قوة رمزية بدت أكثر وضوحا مع مضي معاناة الفلسطيني تحت الاحتلال ، لايضاح وحدة المصير أمام عنف وجرائم المحتل . بالرغم من ان هذا الخيار السردي في وصف تلك الفترة وما قبلها قد يجامل بعض العقد الحقيقية ( الطبقية ) للمجتمع الفلسطيني، أملا بالتخفيف من حضور تلك التباينات الطبقية والثقافية في الوقت الحاضر لصالح خطاب وحدوي ضروري بل ومصيري لمواجهة مغتصب الأرض والشعب .
ومن العناصر اللافتة في الرواية إبرازها لفكرة أن الاعتراض في وجهه السجان كما فعل سلامة في اعتراضه على سوء معاملة الجنود الصهاينة للمعتقلين واضرابه عن الطعام احتجاجا على ذلك ، يمثل لحظة ولادة للهوية النضالية للمعتقل ، فمجرد الصراخ بقول “لا” في فضاء المعتقل وأساليب القمع يتحول هذا الرفض الى فعل تأسيسي يعيد تشكيل الذات فتتحول تجربة الاعتقال من مجرد استسلام ومعاناة جسدية قهرية إلى لحظة تحدي ووعي سياسي وأخلاقي، يبدأ معها السجين في إعادة تعريف نفسه ليس كضحية فقط بل كجزء من مشروع مقاومة ليجد القاريء أن الرواية تربط بوضوح بين الماضي والحاضر ، فهي لا تقدم المعتقلات كحادثة تاريخية مغلقة يتم تناولها من باب تأنيب الضمير الادبي ، بل كجزء من استمرارية بنيوية للظلم المستمر وبذلك يصبح الماضي مرآة للحاضر، فتتحول الذاكرة إلى أداة لفهم الواقع الراهن الذي ما يزال يشهد القمع والقتل والتدمير والاعتقال ، وكذلك سبل مواجهته وآمال الانتصار عليه .
اذا تقول الرواية بين سطورها أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل أيضًا على الرواية التاريخية وهي المعركة التي تحتدم نيرانها الان منذ ما بعد الطوفان .
ولم تبخل الراوية حطاب عن تحميل الرواية بالمضمون التوثيقي ، ولعل ذلك من لوازم أدب الذاكرة وخصوصا المتعلق بالمأساة الفلسطينية .
في المحصلة، يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها نصًا يجمع بين الأدب والشهادة التاريخية؛ فهي لا تكتفي بسرد قصة، بل تحاول إنقاذ تجربة إنسانية من الغياب. ولذلك فإن قيمتها لا تكمن فقط في جمالياتها السردية، بل في دورها في تثبيت الذاكرة وإعادة الاعتبار لضحايا مرحلة جرى تهميشهم طويلًا في السرديات الرسمية .
ـــــــــــــــــــــــــ

Views: 58

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى