إلى صفاء الحطّاب.. صاحبة الضمير الحي والقلم الحر..

بقلم الأستاذ خميس اللوزي
اسمحي لي بدايةً أن أتقدّم إليكِ بوافر الشكر والامتنان على إهدائي نسخة من الرواية المميزة )791..معسكر الاعتقال رقم ١) وهو كرمٌ لا يقلّ جمالاً عن الرواية التي أنبتها قلمكِ بين صفحاتها.. أكتب إليكِ وأنا في حيرةٍ من أين أبدأ.. فكلما أنهيت الرواية أشعر أنّني لم أقرأ فحسب.. بل أكتشف في كل مرة أنني اقتربتُ من محاولةٍ إنسانيةٍ عميقة لاستعادة الإنسان من بين أنقاض الأرقام.. ففي زمنٍ تتكاثر فيه التقارير الباردة التي تختصر المآسي في إحصاءاتٍ صمّاء.. جئتِ أنتِ لتقولي إن الرقم ليس علامةً في سجلٍّ قديم.. بل حياةٌ كاملة كادت أن تضيع لولا أن امتدت إليها يدكِ بالحبر والذاكرة.. ولعلّ هذا المعنى يزداد عمقاً حين نقرأ العمل في سياق النكبة.. تلك اللحظة التاريخية القاسية التي حاولت أن تختصر شعباً كاملاً في أرقام اللاجئين وسجلات التشريد.. فإذا بقلمكِ يعيد للوجوه أسماءها وللذاكرة إنسانها.. وهنا يلوح في خلفية الرواية ذلك المكان الذي تحوّل من قريةٍ هادئة إلى شاهدٍ على المأساة.. قرية تحولت بعد الاحتلال إلى معسكر اعتقال حيث احتُجز آلاف الأسرى العرب في خيام نُصبت على عجل فوق الرمال.. فصار المكان نفسه رمزاً لتحوّل الأرض إلى معسكر.. والإنسان إلى رقم.. والوطن إلى مساحةٍ ضيقة من الأسلاك والانتظار..
لقد مارستِ في هذا العمل فعلاً سردياً شجاعاً.. إذ لم تكتبي الحكاية بوصفها واقعةً تاريخية.. بل بوصفها استعادةً للكرامة الإنسانية.. فأعدتِ تسمية الأشياء بأسمائها.. وأخرجتِ الوجوه التي غيّبها القهر من ظلال الصمت لتعود بملامحها الواضحة وأصواتها التي لا ترتجف.. وهنا تتجلّى قيمة هذا العمل الرائع.. إذ لم تكن لغتكِ زينةً لفظية.. بل أداة كشفٍ صادقة تزيح غبار النسيان عن الذاكرة وتضع اليد برفقٍ على جراحها.. وما يلفت فيها تلك الرصانة التي تحكم السرد.. فلم تنجرفي إلى العاطفة السهلة.. ولم تسلمي الحكاية لصخب الشعارات.. بل قدّمتِ أدباً جديداً يعرف أن قوة الكلمة لا تأتي من ارتفاع صوتها بل من صدقها.. ولذلك بدا النص متماسكاً في روحه واضحاً في موقفه.. وكأنكِ تكتبين وفي يقينكِ أن الأدب قد يكون أحياناً الملاذ الأخير للإنسان حين تُختزل قضيته في رقم.. في روايتكِ حولتِ بأسلوبك الشيق الذاكرة إلى فعلٍ حي.. وأثبتِّ أن الإنسان ليس ظلاً وهمياً في السرد.. بل روحاً كاملة تستعيد اسمها وكرامتها.. حتى يشعر القارئ أن الشخوص يخرجون من بين السطور ليصافحوا ضميره ويذكّروه بأن الحكاية الحقيقية لا تموت.. ولهذا أحيّيكِ لأنكِ لم تكتبي رواية تُضاف إلى رفوف المكتبة فحسب.. بل كتبتِ عملاً يعيد للإنسان مكانه في الحكاية.. ويقول للعالم إن الأرقام قد تملأ التقارير.. لكن الحكاية الصادقة هي التي تبقى في ذاكرة البشر.. سلمتِ.. وسلم هذا القلم الذي يعرف أن الأدب حين يكون صادقاً لا يكتفي بوصف التاريخ.. بل يحرس ذاكرة الإنسان من النسيان.
Views: 21



