“مرج الكحل” لمنير عتيبة متوالية قصصية تتأرجح بين نبش الأسئلة وكشف الأسرار

صفاء الحطاب
“مرج الكحل” متوالية قصصية من أربع عشرة قصة قصيرة للكاتب المصري الأستاذ منير عتيبة، في إطار سردي متصل منفصل وفي عالم متخيل تدور فيه الأحداث الغرائبية في تفاصيل ذلك العالم الغامضة المرتبطة بأمكنة يعرفها ويألفها القارئ من قبل كالبحيرة ومرج الكحل والترعة ومدينة الإسكندرية وغيرها،
تستثير القصص وجدان القارئ لتستعيد ببراعة حكايات الجدات ومخاوف الطفولة وذكريات جمعية عميقة كانت في خانة أسرار الطفولة لوقت طويل،
يبدأ الكتاب بالإهداء الموجه بعناية للوجدان الجمعي “إلى من احتفظوا بأسرارهم طويلا…وجئت أنا لأفشي بعضها.. سامحوني”
ينسج الكاتب القصة الواحدة بلغة بسيطة مباشرة، يصطحب فيها المتلقي إلى عالم فنتازي وكأنه امتداد طبيعي لعالم الواقع أو لنكن أكثر تحديدا واقع الشخصية الساردة التي يمكن للقارئ أن يتماهى سريعا معها في أفكارها ومخاوفها، مع عدم قدرة على تحديد صفاتها العمرية أو الشكلية وكأنها طيف إنساني يتجول بين الناس لرواية قصصهم وقضاياهم وهمومهم بدمج خاص بين عالمه الغرائبي وعوالمهم الواقعية، وهذا تماما ما فعله القاص منير عتيبة بطرحه قضايا إنسانية واجتماعية تؤرقه بطريقته الإبداعية الخاصة غير المباشرة بل والمخفية تحت ستار التفاصيل الغرائبية بعيدة الارتباط عن المعنى المقصود ظاهريا، والبعيدة عن عالمنا دون تفاصيل توضحها تماما، فنجد أنفسنا في عالم مليء بالرموز والتفاصيل الناقصة التي يمكننا أن نكمل بعضها من موروثنا الشعبي الغرائبي تحديدا، دون أن نرفضها أو نحاكمها فكل تفصيلة في هذا العالم الغريب الذي لم يُعرَّف لنا تحتمل تأويلات أكثر مما تحمل معاني واضحة،
الكاتب في متواليته القصصية يحمل هموما عامة ويطرحها بسرد غرائبي، ففي قصة “الغسيل” مثلا التي كانت عن امرأة تنشر غسيلها فيسقط المطر، وإذا لم تنشره يحل الجفاف، فكانت الغرائبية هنا ارتباط المطر بنشر غسيل تلك المرأة التي عانت هي وزوجها أصعب الأوقات من اختلاف الناس حول هذا الارتباط، وطرح الكاتب في قصته قضية عدم اتفاق الناس على رأي واحد في القضايا المشتركة، بل وخطورة الاستقطاب والتحيز في القضايا العامة.
أما في قصة “تسع خرزات زرقاء لأجل القادم” كانت الخرزات تتحقق بطريقة سحرية كلما تغلبت المرأة على مخاوفها
أو حققت لحظة سعادة ورضا، وكأن القصة تشرح الهموم والتحديات التي تواجه المرأة في طريق انتاجها المثمر،
“لأجل القادم” والقادم في القصة كان مولودا انتظرته السيدة طويلا، وكانت كلما تخلصت بصبرها أو بجهدها على معوق ما تتحول مادة المعوق إلى خرزة زرقاء سحرية ضرورية لإكمال العدد تسعة لإتمام الحمل وإنجاب المولود.
أما في قصة “سوق الغجر” التي تدور حول ولدين وأمهما يسكنون بيتا مجاورا لمخيم الغجر المهاجرين إلى قريتهم بسبب الحرب والذين ماتوا جميعا بسقوط قذيفة استهدفت مخيمهم، كانت تلك العائلة الصغيرة المكونة من أم وولدين وفي كل عام عندما تحل ذكرى قصف مخيم الغجر تسمع أصوات الموسيقى وتشاهد من شباك البيت سوق الغجر بكل بهجته وتفاصيله كما كان قبل فنائهم، دون أن يتمكن أحد آخر من إدراك المشهد أو سماع الموسيقى، وكانت رغبة الولدين أن يدخلا ذلك العالم المبهج الخالد رغم قلق الأم وخوفها عليهما ومحاولة منعهما، لكن عندما نجح أحدهما بدخول ذلك العالم السحري، لم أستطع أن أحدد كقارئة إذا كنت سعيدة أو حزينة بحدوث ذلك؟ أم هل أنا متعاطفة مع فقد الأم أم مع سعادة الولد الأبدية؟ وكأن القصة نبشت عميقا في أسئلتي الوجودية الكبرى، وفتحت باب التأويل على مصراعيه!
متوالية قصصية تتطرق للإنسان والمكان والزمن ودهشة المعرفة بلغة بسيطة ورمزية عميقة تنبش الأسئلة وتقترب من عالم الأسرار .
Views: 40



