دون تصنيف

“تسريب الجريمة” هيمنة على وعي الإنسان وذاكرته

صفاء الحطاب

نحن في زمنٍ تتضخّم فيه الهيمنة الإعلامية إلى حدٍّ يجعل الجاني يتجرأ أن يروي الحكاية، لم يعد تسريب تفاصيل الجريمة فعلاً عابرًا، بل أصبح جزءًا من أدوات السيطرة النفسية.
فالمجرم اليوم لا يكتفي بارتكاب الفعل، بل يتعمّد نشره وتفصيله وتلوينه، ليبث الخوف في نفوس الضحايا الجدد، وليُشعرهم بأنَّ كل مقاومة بلا جدوى؛ وهنا يغدو “الإعلام” موجها بيد الشر، سلاحًا ناعمًا يستهدف الروح ليحطمها قبل الجسد.

وما بين فعل الجريمة وإعادة نشرها وصياغتها، يستهدف كل من يرفض الذوبان؛
تُشوَّه صورته، تُختلق القصص حوله، وتُسلب منه شرعية وجوده!
إنها الآلية ذاتها التي مورست ضد الهنود الحمر حين أُعيد رسم قصتهم كـ”متوحشين” لتبرير محوهم، وهو الأسلوب نفسه الذي يحاول صُنّاع الهيمنة ممارسة بعضه اليوم على شعوبٍ تقاوم الانقراض أو الاحتلال.

وعن مجزرة البوسنة في تسعينيات القرن الماضي تسربت مؤخرا الأنباء المفزعة عن قنصٍ للتسلية، و”رحلات صيد” شارك فيها أثرياء عالميون بدافع المتعة المدفوعة؛
هل عاد الإنسان إلى المربع الأول؟
لكنه كان في بدائيته الأولى يصيدُ ليأكل!
فما الغرض الآن؟
وكيف تسقط البشرية من شجرة تطوّرها الأخلاقي بهذه السرعة، لتستعيد طقوسًا بدائية تمارس الموت بوصفه لعبة؟

وغير بعيد؛ في غزة منذ أكثر من سنتين، يأخذ المشهد شكلًا آخر من الوحشية؛ مصائد موت، طرقات مفخخة، ومناطق تتحول إلى فخاخ محكمة تستهدف المدنيين العُزّل؛
واللافت أن الجاني يسبق بنشر صور الفخ، كأن بثّ الرعب جزءا من الهدف، وكأن الموت وحده لا يكفي دون أن يُشاهَد ويُصدَّق ويُتداوَل؛

حتى “التاريخ” تم إخضاعه لمنطق السيطرة ذاته؛
ففي مساحات من العالم، سُرقت الآثار من سياقاتها الحضارية، واقتُلعت من تربتها الأصلية، لتتحول إلى قطع مادية فاخرة في متاحف بعيدة؛ وما كان يومًا شاهدًا على حياة بشرٍ وجغرافيا وثقافة، صار معروضًا كغنيمة، منزوعًا من سياقه، ومفرغًا من الروح التي وُلد منها ولأجلها؛
إنها الهيمنة حين تمتد إلى الذاكرة نفسها، فتستولي على الماضي كما تستولي على الحاضر.

ومع كل ذلك السواد، ورغم هذا المشهد الملبّد بالعنف والطمس والتشويه، تظل هناك بارقة أمل لا يمكن تجاوزها؛
جيلٌ جديدٌ يتقن أدوات العصر، ويفهم اللعبة، ويملك من الحس النقدي ما يجعل الهيمنة على وعيه مهمةً شاقة؛

جيلٌ لا يكتفي بالتلقي، بل يشتبك مع المعلومة، يفتّش في خلفيات الصورة، ويفكّك الخطاب، ويُفشل عمليات التضليل التي بُنيت لاستهداف وعيه؛

جيلٌ يعرف أن “الأثر” ليس مجرد حجر، بل يمكن استعادته -ولو رقميا- ووضعه في سياقه التاريخي؛
وأن “الضحية” ليست مجرد خبر، وأن الرواية عنها ليست ملكًا للجاني ما دامت هناك عقول يمكن أن تستعيدها وتعيد كتابتها؛ ويمكنها أن تمنح تلك الضحية “صوتا” تخاطب به العالم الحر؛
في وقت يُراد فيه استباحة الوعي الإنساني، يظهر جيل من الشباب يكلفون أنفسهم باحترامه وحمايته، و يعملون على إعادة بعضًا من كرامة الإنسان في مواجهة آلة ضخمة تسعى إلى محوه!

Views: 32

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى