نص

أيديولوجيا اللجوء ومتاهة النسيان


سليم النجار

أنا لاجىء مثل سن والدي، شاخ ووهن العظم منه، تآكلت ملامح وجهه، ولم يبق سوى بقايا ملامح وبقايا أيام، وبقايا جلد وعظم٠ في الحقيقة وجدت نفسي أمام بقايا مساء، ورغم ذلك، كان الجو في بلاد اللجوء يعبق بالسحر٠ حطت السكينة على محياه، وفاحت الألفة من حديثه عن قريته صبارين، وبدا عليه مظاهر الأبهة من خلال تلك السنوات الماضية منذ عام ١٩٤٨، سنوات النكبة وكل ما أعقبها – من الاخفاقات والفرص الضائعة التي لا حصر لها، الاختطافات والاغتيالات والأحزاب المتهالكة التي تبحث عن تحرير فلسطين، الرفاق الأحياء التي سويت أرض النسيان أفكارهم، حكم الأيديولوجيا تلك السنوات ذكرته بمخيم الجلزون الذي عاش فيه، حين طال صمته، خاطبني: كنا نقضي حاجتنا البشرية في الخلاء، لملمت الاساءة التي قذف بها والدي في وجهي، حاولت أيجاد أجوبة لاسئلة لماذا ولدت هنا في أرض لا تعترف بنا إلا أننا تجمعات بشرية، لطالما نهشتها نهشا ونخرتها نخرا؟
عُمْر علي لم يتجاوز الثلاثين بعد، لكن حصاده من التجارب المرة يعكس ذلك٠ صمتي الدائم والشعيرات البيض التي غزت شاربي وشعري الكثيف يظهران كهولتي٠
بدأت انتظر الصباح كي اطوي المسافة الرابطة بين المكان الذي أنا فيه وذكريات الانتظار في طابور الجمعية للحصول على خاروف بلغاري، بعد أن أهدتنا الحكومة الحق في الحصول على خاروف واحد كمقيم، وهذه فرصة تاريخية، لأن سعره “٧٥٠” فلساً بينما البلدي دينارين ، فجأة وانا في الطابور بدأت تتسلل أحاديث المنتظرين، لأعرف أنهم من أبناء جلدتي، هذا مخيم الدهيشة، والأخر من مخيم بلاطة، وذاك من مخيم اليرموك، والبعض يتباهون وبصوت مسموع انهم من سكان البلديات – اي سكان شقق – ومتجهم علق على علب السردين أنهن سكان شقق٠
ثمة لحظات كهذه، نسيتُ أني استمع إلى لاجئين، صرت خارج الزمن والمكان٠
لكن ما حصل كان حصل وقد حصل، إذ قررت أن لا أكتب إلا أن هذه الأرض لا نعيش فيها بل نعيش عليها، بالفطرة وكلاجئين، وحين نكتب روايتنا نبقى متعطشين لمعرفة من نكون٠

Views: 6

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى