يوميات مريم: رواية واقعية تسهم في تعزيز القيم والتكيف مع التحديات

أمل صالح

تُعد رواية “يوميات مريم” واحدة من الروايات التي تنتمي إلى الأدب الواقعي، والموجهة لفئة اليافعين، وهي من تأليف الروائية صفاء حطاب، ونُشرت هذا العام بدعم من وزارة الثقافة، عن دار أمواج للنشر والتوزيع.
رواية يوميات مريم تولد في قلب قرية السعادة
في قلب قرية السعادة، البعيدة عن صخب المدينة، تولد تلك التساؤلات، وتشاركنا مريم أحداثًا مرّت بحياتها، في محاولة منها للإجابة من خلال السرد. تبدأ الأفكار التي تدور في وجدانها في الظهور رويدًا رويدًا.
مريم فتاة يافعة تعيش مع أسرتها المكونة من الأم والأب ، والأخ الصغير سعيد،والجد الذي يعيش في بيت منفصل، ولكنهم متصلون معه دائمًا.
تقطن تلك الأسرة في بيت ريفي يتوسط منطقة قريبة من الحقول والينابيع ،أيضا فيه حظيرة حيوانات.
تدور أحداث الرواية عن حياة مريم، حيث تقرر كتابة مذكراتها وتختار مكانًا تتجلى فيه عزلة الكتابة، وهو بيت الشجرة.
التعلم بالتجربة والتكيف مع التحديات
تمارس مريم التجربة التي ينتج عنها الخطأ والصواب، وتعيد المحاولة دون إجبار من الوالدين على مسار معين، أو دون توجيه عقاب قاسٍ لها.
وفي كل مرة تقوم بعمل غير مألوف أو تخطئ، كان الحوار سيد الموقف دائمًا بينهم، وهناك إجابات لأسئلتها وتوضيح للمواقف أيضًا.
كان على مريم التكيف مع التحديات التي تظهر فجأة، مثل مساعدة الأم في رعاية الصغير، وتعلم غزل الصوف لإعداد ملابس الأخ الجديد القادم، وإطعام الدجاج، وجلب المياه، ورعاية الجد المريض، وصناعة القصة المصورة لسعيد.
تعزيز القيم
سلطت الرواية الضوء على مجموعة من القيم، وقامت على تعزيزها، مثل الصدق، وكانت البطلة تتسم بهذه الصفة بقوة، والاحترام، كاحترام الكبير والآخرين، والتعليمات الصادرة من الوالدين، والأمانة، واحترام حقوق الآخرين، وتحمل المسؤولية، والتعاون، والعمل الجماعي، وتحقيق الأهداف المشتركة، وحب الأسرة، والانتماء، وأهمية العائلة، والعلاقة الإنسانية الدافئة التي كانت تربط بين أفراد الأسرة، والأسرة والمجتمع المحيط.
التواصل الفعال ودفء العلاقات
الإنصات دون مقاطعة، والقدرة على تبادل الأفكار والمعلومات بشكل واضح بين مريم وعائلتها، كان وتدًا بُنيت عليه الرواية.
والأكثر أهمية، دور الشخصية الثانوية في القصة، وهو الجد، حيث يتمتع بمهارات عالية في التواصل مع الحفيدة، وفهم احتياجاتها واهتماماتها.
التواصل الفعال من أهم ركائز المجتمع، التي تقوم على بناء علاقة وطيدة بين أفراد الأسرة، مما يسهم في تنمية المهارات الاجتماعية للطفل، ويعلّم الأطفال التعبير عن مشاعرهم والتعامل معها بطريقة صحيحة.
التواصل الفعال يسهم في وضوح العلاقة، وتلاشي التراكمات من المشاعر السلبية وسوء الظن في العائلة.
وكان من أجمل مشاهد الرواية، عندما تجتمع الأسرة آخر النهار على طاولة الطعام ويتبادلون أطراف الحديث، حيث تتحول المفردات في هذا النص إلى صورة ذهنية قادمة من الزمن الجميل القديم، تستحضرها الذاكرة قبل هجوم التغيرات الحاصلة في المجتمع، والتي انتزعت هذا المشهد من عائلات كثيرة بسبب انشغال الأم والأب في الأعمال التي تأخذ وقتًا طويلًا يتعذر معها تناول الوجبة العائلية مع الأطفال.
التعاطف مع الاهتمامات
وصول المذياع إلى القرية من الأحداث المهمة جدًا عند مريم، وحديث الأب عن المذياع الموجود في المقهى المخصص للرجال في القرية، أدخلها في حالة انبهار لتلك الآلة، ولكن والدها رفض اصطحابها معه لرؤية وسماع صوت المذياع.
لكن الجد تعاطف مع رغبتها، ووجدا طريقة لتحضر مريم إلى المقهى بوجود الجد، ورؤية تلك الآلة الجديدة.
كان موقف الجد هنا مليئًا بالحنو، وكانت مساعدته لحفيدته دليلاً على فهم عميق لمشاعرها.
الحوار والحديث عن الاحتياجات
نهاية الحكاية يمثلها حلم جميل لمريم، حيث حلمت بالحيوانات، وكل حيوان أصبح ناطقًا بالحلم يتحدث عن احتياجاته لمريم.
في هذا الجزء من الحكاية، تمرر الروائية صفاء حطاب أهمية الحوار للتعرف على الاحتياجات وحل المشكلات، حيث تكمن أهمية الحوار في صناعة مساحة تشجع على التفكير والتفاعل وفهم الآخر والتسامح وتبادل المعلومات وحل الخلافات.
يوميات مريم تشبه حكاية الجدات
تعود بنا “يوميات مريم” إلى زمن قديم جميل، إلى تلك الحلقة عندما كانت الجدة تجلس، وجميع الأحفاد يتمجلسون حولها ليسمعوا الحكاية.
تعود بنا إلى تلك المساحة الآمنة والتقبل التي تمنحها الجدة للأحفاد.
ومفردات تعج بها الرواية: نبع الماء، الأشجار، الحيوانات، بيت الشجرة، والقرية التي تنام في ظلام شديد، والفلاحين، وأهل المدينة واختلافهم عن أهل القرية؛ كل تلك المفردات عادت بنا إلى القرى التي تحدث عنها الآباء والأجداد، وأعادت بنا حنينًا جارفا لسماع تلك القصص.
رواية “يوميات مريم” فرصة لصناعة قنوات جديدة من الحوار مع الأبناء حول ملامح الحقبة الزمنية التي تتحدث عنها الرواية: من نمط الحياة، والعلاقات العائلية، والبساطة في العيش، والقيم والأخلاق، وعن دور المرأة، وكيف كانت تقوم بمهام كبيرة غير تربية الأبناء، كـالعمل الزراعي والعمل المنزلي، دون أي نوع من الأدوات المساعدة والآلات الحديثة التي تختصر الوقت والجهد، ومناقشة التغيرات الحاصلة في العالم، وتأثير تلك التغيرات على العلاقات والسلوكيات، والعودة إلى الموروثات الثقافية والشعبية الجميلة، التي بدورها تعزز الهوية والانخراط الواعي بالعالم دون التخلي عن الجذور.
كم يحتاج شبابنا لنتاجات أدبية تقوم بتوجيههم وتحميهم من تلك المنعطفات الفكرية الخطرة، وتعزز لديهم الانتماء
Views: 191



