نص

ميرمية أُمي…


د.م سارة فايز أبوعريضة
عندما أعطتني أمي الميرمية قبل السفر، لم أفكر كثيرًا بالأمر. وضعتها في حقيبتي كما نضع أي شيء نعرف أننا سنحتاجه لاحقًا، دون أن ندرك قيمته الحقيقية. كانت مجرد أعواد خضراء ملفوفة بورق، برائحة تشبه البيت، لكنني لم أكن أعرف وقتها أنني أحمل معي شيئًا أكبر من عشبة.
في الأيام الأولى، كنت أغلي الميرمية وأشربها على عجل. في صباحات التعب، وفي ليالي القلق، وفي لحظات الاشتياق التي لا اسم لها. كنت أظن أن الدفء يأتي من الكوب، وأن الطمأنينة من السخونة، ولم أنتبه أن كل رشفة كانت تقلل من شيء أثمن.
ومع الوقت، بدأت الكمية تقل. لاحظت ذلك صدفة، عندما فتحت العلبة وبحثت عن عرق جديد فلم أجد إلا القليل. في تلك اللحظة، لم أشعر بالحزن فقط، بل بشيء يشبه الخسارة المتأخرة، الخسارة التي لا يمكن تداركها.
أدركت فجأة أن الميرمية لم تكن مجرد نبات. كانت يد أمي وهي تلتقطها، كانت اهتمامًا صافيًا لا ينتظر مقابلًا، وكانت محاولة صامتة منها أن تضعني في جيب قلبها حتى وأنا بعيدة. ومع كل عرق استُخدم، كنت أستهلك جزءًا من ذلك الأمان دون أن أعرف.
حاولت أن أواسي نفسي بأن الأشياء خُلقت لتُستخدم، لكن داخلي كان يقول لي: لو كنتِ تعرفين، لكنتِ خبّأتِها. كنتِ علّقتِها على الحائط، أو وضعتِها في إطار، أو تركتِها كما هي، شاهدًا على وجود أم كانت قادرة أن تلتقطها لك.
اليوم، وأنا أرى الميرمية توشك على النفاد، أشعر أن صبري أيضًا أصبح محدودًا، وأن بعض أنواع الأمان لا يمكن تعويضها. ليس لأن أمي غابت عن نظري طويلا، بل لأن بعض الهدايا لا تتكرر، وبعض اللحظات لا نعرف أنها الأخيرة إلا بعد أن تمر.
لو عاد بي الوقت قليلًا، لكنت تصرفت بشكل مختلف. ليس لأنني نادمة، بل لأنني فهمت متأخرة أن الحب أحيانًا يكون هشًا، ويحتاج أن نحتفظ به… لا أن نستهلكه.
خلصت الميرمية يا امي و خلص صبري معها…

Views: 55

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى