كيفك؟

دعاء صفوري
من علامات الفطنة أن تلتفت إلى الفرق بين كيفك وكيفك!
العلاقات الإنسانية اليومية تتأثر بالمتغيرات العامة للعصر الذي نعيش فيه، قد يسمح لك وقتك بملاحظة صيغ التواصل المباشرة وتلك الجانبية، وقد ترتاح لفكرة العبور عنها وتخطيها كما تفعل مع الشؤون الأعمق والأشد تأثيرًا على النفس. مما شغلني أن “كيفك” أصبحت مع السرعة هي أول ما نلتقطه عند الحديث أحيانًا، يُتجاوز السلام وعبارات الترحيب ويُكتفى بها بديلًا عما اعتدنا عليه من تدرج سلم اللباقة الاجتماعية. وهي ذاتها التي يفطن المرء إلى كونها “كيفك” المزيفة وليست الحقيقية المفعمة بروح الصدق والاهتمام.
هناك السؤال الذي يحمل في طياته انتظار الإجابة الأوليةفقط، والتي نختصرها بعبارات من مثل: الحمد لله، لا بأس، بخير، تمام، على قيد الحياة… وبات من الممكن الاكتفاء بإمالة الرأس وعد ذلك جوابًا شافيًا. ابتسامة تفي بالغرضأيضًا أو إغلاق العين وفتحها ببطء، وأظن هذه الإيماءة من أكسل ما نعمد إليه بعد التجاهل والصمت.
دونما إشارات واضحة ندرسها ونقف عندها مليًا، وحده الإحساس يفي باستشعار اللحظة الحاسمة، والمساحة المدرجة لنا للبدء بترتيب إجابة وافية. ومثال ذلك: الرسائل التي نستقبلها في وسائل التواصل الحديثة؛ مرحبًا، تليها كيفك؟ ويليها الطلب أو الغاية المباشرة للتواصل. فكأنما هذا الترتيب والحفاظ على منطقة الوسط بين التحية والغاية،تمهيد من شأنه تبرير الطلب وتليين وقعه، أو حفظ ماء الوجه بعد انقطاع.
أعود إلى فيروز والحنين إلى سرد تفاصيل الذات بإصرارها على تكرار “أنت”، وكأن كل ما سوى الـ “أنت” محض أحداث لا بد من عيشها، ولا تشكل جوهر السؤال المعني بحالتك أنت، أنت!
“كيفك؟ قال عم بقولوا صار عندك ولاد.. أنا والله كنت مفكرتك برّات البلاد
شو بدّي بالبلاد، الله يخلّي الولاد.. إي كيفك إنت، ملّا إنت؟”
سميتها “كيفك” الحقيقية، بكل ما تحمله من انتظار وشغف لمعرفة ما الذي طرأ على حالك، ما الذي تشعر به الآن ومؤخرًا، ما التوصيف الذي ستعبر عنه لتنقلني معك إلى عوالم ذاتك وأحاسيسك؟ وعلى هذه الإجابة نستعيد الثقة بأن الآخر ما زال بخير، فانشغاله بالتفكير والتعبير عن نفسه يخرجه من الجمود والركود في خانة النمط والعادي. ويحيلنا للاطمئنان أن وعيه بتحقيق أناه لم ينجرف في سرعة الآخر وحديثه العابر.
ولا يخفى عليك أن توجيه الأسئلة على بساطتها لا ينحصر بتحصيل الإجابات؛ إنما ينعكس على السائل راحةً وأمان يتقصى معهما موقعه من هذه العلاقة البشرية التفاعلية. الرسائل الورقية كانت تفيض محبة وتمتلئ بالحبر والخربشات والهوامش والأخبار والصور… وكلما تعددت أوراقها جعلتنا نحقق غايتها السامية المحببة، بيد أن الرسائل النصية السريعة على قربها وتمكنها من خرق الحدود وتجاوز المسافات، لكنها فقدت نوعًا من الوقار على ضوء تكرارها وتوجيهها لأكثر من شخص واحد في ذات الوقت.
وعليه رغم أنها “كيفك” واحدة لكنها صدقني تختلف، وحري بنا الاعتراف بذلك!
Views: 150



