دون تصنيف

الهشاشة النفسية في زمن الوفرة بقلم صفاء الحطاب

تعيش مجتمعاتنا المعاصرة مفارقة عميقة

نلمس ذروة الرفاه المادي والتقني بيد ونجد أنفسنا في ذات الوقت نحاول التربيت باليد الأخرى على أكتاف جيل يعاني من “عوز روحي” واغتراب نفسي لم يسبق له مثيل،

إن تزايد حالات العنف ونوبات القلق الجماعي وصولا إلى النهايات المأساوية التي نتابعها بأسى لمن يبدو عليهم “الرخاء الظاهري”

خلل عميق في مجتمعات يبدو أنها خسرت أو فقدت الكثير من أدوات الصمود النفسي في عالم شديد التعقيد.

ثمة مفارقة تاريخية تستوجب التأمل فالأجيال السابقة لم تكن حياتها مفروشة بالورود وعاش معظم أفرادها ضغوطا وجودية قاسية وتحديات معيشية تتطلب صلابة حتمية

في وقت كانت مهارات التعامل مع الأزمات  “شرطا للوجود”

وكان الشخص يتعلم كيف يمتص الصدمات لأن البديل هو الفناء، 

وكانت النتيجة بالضرورة صقل هويته في أتون التجربة بعيدا عن التنظير

لقد انزلق الجيل الحالي لأسباب كثيرة نحو نوع من “الاستقلالية الفردية” المتطرفة التي رغم بريقها التحرري حملت معها أضراراً جانبية عميقة،

لقد وجد الشاب نفسه معزولاً عن بيئته الطبيعية وبعيداً عن الممارسات الاجتماعية والدينية والموسمية التي كانت تمثل “شبكة أمان” روحية واجتماعية.

هذه الطقوس سواء كانت اجتماعية بسيطة أو دينية عميقة أو موسمية مرهقة كانت تمنح الفرد شعوراً بالانتماء لكيان أكبر من ذاته

وبغيابها غابت “المناعة الجماعية” وأصبح الفرد يواجه أزماته وحيداً خلف الشاشات مما ولّد نوعاً من الخواء الروحي والاغتراب عن الواقع الملموس لمصلحة واقع افتراضي لا يقدم حلولاً حقيقية.

وتكمن المعضلة الأكبر في “أزمة الثقة” بين الأجيال

لقد فقد الجيل الجديد إيمانه بالنماذج التقليدية فالمسافة بين ما يقوله الكبار وبين ما يمارسونه فعلياً خلق فجوة من التشكيك في قدراتهم على إيجاد الحلول لمشاكل الشباب المستجدة،

فوجد الشاب نفسه يتيما ثقافيا  مضطراً للبحث عن قدوات في عالم افتراضي زائف، مما زاد من حالة التيه، حيث غابت الروحانية بمعناها العميق الذي يربط الإنسان بالأرض وبالآخرين

إن إنقاذ هذا الجيل لن يكون بانتقاد حساسيته او لومه

وقد يكون مد جسور من الحلول المنطقية التي تحترم ذكاءه

وتحفز وعيه بذاته كحائط صد هو الملاذ حاليا 

فالصلابة النفسية تبدأ من فهم الفرد لذاته واحتياجاتها الحقيقية

فالذي يفهم “خارطته النفسية” يصبح أقل عرضة للتأثر بالهزات الخارجية بالضرورة.

  وإعادة الاتصال بالبيئة والمحيط بتشجيع العودة للممارسات الجماعية والأنشطة المرتبطة بالطبيعة لا بد أن يكسر العزلة الفردية ويدمج الفرد في أنشطة روحية تعيد للشخص بعضا من توازنه المفقود وتمنحه شعوراً بالمعنى والارتباط،

 ولا بد من تدريب الشباب على مهارات “المرونة” بدلاً من “المقاومة” وتعليمهم أن الفشل ليس نهاية الطريق إنما هو جزء من “شرط الوجود” الجديد،

فالصلابة الحقيقية هي الابتعاد عن  الجمود والقدرة على التكيف مع مستجدات العصر بوعي متجدد

وقد يترتب على ذلك بالنتيجة تحديث دور القدوات كما أسلفت،

فالشباب يحتاجون إلى “شركاء” بعيدا عن  “الوصاية”،

وإلى تطوير لغة الأهل والمؤسسات لتواكب مستجدات العصر كجزء هام من تلك الشراكة، 

التي تقدم الأهل كبشر يخطئون ويتعلمون مما قد يعيد بناء جسور تلك الثقة المفقودة.

وقد يكون واجبا على النظام التعليمي حاليا تعديل أهدافه الرئيسية من تخزين المعلومات وصناعة الدرجات إلى جعل المؤسسات التعليمية مختبرات للحياة يتعلم فيها النشء كيفية إدارة المشاعر، والتفاوض مع الأزمات بذكاء وهدوء يقودان إلى حلول واقعية.

إن الجيل الجديد يواجه تحديات ذهنية ونفسية لم تختبرها الأجيال السابقة

وقد يكون  طريق الخروج من حالة التيه الحالية يبدأ من الإيمان بأن الصلابة النفسية هي ثمرة فهم الفرد لذاته والتصالح مع محيطه الاجتماعي والبيئي والاعتراف بأننا بحاجة لبعضنا البعض كشركاء في معركة وجودية المنتصر فيها من ينجو من صقيع العزلة!

Views: 22

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى