كتاب

جماليات التبئير وأنسنة الذاكرة في رواية “791”

قراءة في المشروع الروائي للأديبة صفاء الحطاب

تمثل رواية “791: معسكر الاعتقال رقم 1” للكاتبة صفاء الحطاب نموذجاً رفيعاً لما يمكن تسميته بـ “السرد الاستعادي”، حيث لا تكتفي الكاتبة بتوثيق النكبة الفلسطينية، بل تعيد صياغتها عبر منهج “التبئير”؛ أي حصر الرؤية التاريخية في زوايا شعورية وإنسانية ضيقة وعميقة، تحول الأرقام الصماء في الأرشيف إلى نبضات حية يسكنها الوجع والأمل.

1. التبئير بالرقم: من المحو إلى الوجود

تبدأ الرواية بتبئير مركزي يحمله العنوان “791”. في العرف العسكري الصهيوني، كان الرقم وسيلة لـ “محو” هوية المعتقل وتحويله إلى مادة إحصائية. لكن صفاء الحطاب تقلب السحر على الساحر؛ إذ تجعل من هذا الرقم “بؤرة” تتفجر منها مئات الحكايات. إنها تسترد الإنسان من قبضة الرقم، وتمنح “الأغيار” أسماءً ووجوهاً وتاريخاً، محولةً المعسكر من مكب للنفايات (كما هو حاله اليوم) إلى خزان للذاكرة الجماعية.

2. التبئير المكاني: ثنائية “البيت” و”المغارة”

يتحرك السرد عبر بؤر مكانية شديدة التباين، تعكس التحولات التي طرأت على الشخصية الفلسطينية:

• حي الطالبية والقطمون: يمثلان “زمن البراءة والنهضة”؛ حيث تُبئر الكاتبة تفاصيل الحياة المدنية الراقية (البيانو، الإذاعة، الذهب المبروم). هذا التبئير يجعل ضياع هذه الأمكنة لاحقاً فعلاً تراجيدياً يمس جوهر الكرامة الإنسانية.

• بتير (المغارة): تمثل البؤرة الصلبة للمقاومة والجذور. المغارة التي احتضنت “صرة المشيمة” و”صناديق الذخيرة” تصبح رمزاً للرحم الذي يلد الحياة والسلاح معاً.

• دير مار إلياس: يبرز كفضاء وسيط؛ بؤرة للحماية والترقب، حيث تتحول الرسائل فيه إلى خيوط تربط المشتتين في شتاتهم الكبير.

3. التبئير بالشخصية: نائلة وسلامة وإبراهيم

اعتمدت الرواية على تبئير “الأبطال الهادئين” الذين تُبنى بطولتهم بالتدرج:

• نائلة (مريم الفلسطينية): نراها أولاً كمقدمة برنامج أطفال (بؤرة الرقة)، ثم كأم بديلة في المعسكر (بؤرة التضحية)، وصولاً إلى مؤسسة مأوى كبار السن (بؤرة الاستمرار). إنها الشخصية التي تُبئر “فعل الرعاية” كفعل مقاومة.

• سلامة اليافاوي: يمثل “التبئير الملحمي” للبطل الشعبي. بطلٌ صامت، حلاق ومعالج، يحمل الأمانات ويختفي في الجبال ليتحول إلى “حكاية”. اختفاؤه هو قمة التبئير الرمزي؛ فالبطل لا يموت بل يستمر في وجدان الجغرافيا.

• إبراهيم وعيسى: يمثلان التلاحم بين “الفلاح” و”المثقف”. استشهاد عيسى ووصول إبراهيم مضرجاً بدمائه إلى الطالبية يمثل لحظة “التبئير بالصدمة” التي قلبت موازين الحكاية.

4. التبئير بالشيء (الأشياء المسكونة)

تنجح الكاتبة في جعل “الأشياء” تنطق بالتاريخ:

• القرط الجوري: ليس مجرد زينة، بل هو بؤرة للوفاء تربط عيسى بنائلة عبر سلامة.

• الصندوق الخشبي الختامي: يمثل التبئير الأعمق في الرواية؛ حيث يجتمع “السلاح” مع “المشيمة”. هذا الجمع يختصر الفلسفة الكلية للعمل: لا يمكن للحياة أن تستمر دون حماية، ولا قيمة للسلاح دون روح تُحييه.

5. أنسنة التاريخ عبر الوثيقة والصورة

إن دمج الصور الفوتوغرافية التوثيقية في نهاية العمل هو نوع من “التبئير البصري” الذي يكسر الحاجز بين الخيال والواقع. الكاتبة تقول للقارئ: “هذه الوجوه كانت هنا، وهذا الوجع حقيقي”. الصور تعيد ترتيب العالم المكسور وتمنحه سنداً مادياً يعمق أثر الكلمات.

الخاتمة: إرث أرض الكلام

رواية “791” هي انتصار لـ “أنسنة التاريخ” على جبروت الأرشيف السطحي. لقد نجحت صفاء الحطاب في صياغة عمل أدبي لا يكتفي برثاء الماضي، بل يزرع في وعي القارئ يقيناً بأن الحكاية إذا كُتبت بصدق، فإنها تورث أصحابها “أرض الكلام” وتجعل المعنى عصياً على المحو.

إنها رواية “الرجفة” الإنسانية وسط الزلزال التاريخي، وهي بيتٌ ثانٍ لكل ذاكرة فلسطينية حاولت آلات القمع تحويلها إلى مجرد رقم.

Views: 6

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى