كتاب

(791) معسكر الاعتقال رقم 1″ لصفاء الحطاب: رواية تُصرّ على أن تضعك داخل الحكاية لا خارجها


مروان البطوش
لا بدّ من القول، قبل أن أقترب من هذه الرواية، إنني لا أدخل إليها بصفتي ناقدًا يمتلك عدة المناهج ومصطلحاتها، ولا أحمل معي مبضع مختص أُشَرِّحها به، بل أدخلها كما يدخل الضيف بيت مضيف استضافه للمرة الأولى: بشيءٍ من الحذر، وكثيرٍ من الفضول، وباحتمالات مفتوحة.
أنا هنا، إذًا، قارئٌ مراجع…
أنصت أكثر مما أحاكم، وأشعر أكثر مما أُفكّر، وأميل، كما هي عادتي، إلى أن ألتقط ما يهمس لي فقط، فأنا لا أردّ على النّداء بصوتٍ عالٍ، حتى لو كان يناديني باسمي صراحةً.
ومن هذه العتبة، أقترب…
ليست هذه رواية تُقرأ على مهلٍ، فلقد شرعتُ فيها اليوم عصرًا ولم تنقض ساعتان إلا وكنت قد أنهيتها. وليست كذلك نصًّا يُستقبل كحكاية عابرة تُطوى مع آخر صفحة، بل هي، في ظني، أقرب إلى ذاكرةٍ مفتوحة مستمرة، تمشي إلى جانبك على قدميها، وتصرّ أن تُمسكك من كتفك كلما حاولتَ أن تبتعد قليلًا لتلتقط أنفاسك.
هي رواية تبدأ كما تبدأ الحياة:
حبٌّ خجول، خطوبة، بيت يُبنى حجرًا حجرًا، وأحلامٌ صغيرة تُطرَّز برويّةٍ… ثم، وبلا استئذان كافٍ، تنقلب الصفحة، لا في الكتاب فقط، بل في الوجود نفسه.
هناك، في تلك اللحظة التي لا تأخذ حقها الكامل من البطء، يحدث كل شيء دفعةً واحدة:
يموت عيسى، وتضيق الأرض بما رحبت، وتُساق الأجساد، والأرواح قبلها، إلى معسكرٍ يحمل رقمًا، وكأن الأرقام لصلابتها أقدر من الأسماء على حمل الفجيعة والأسى.
ما شدّني في هذه الرواية، ليس فقط ما ترويه، بل كيف تُصرّ على أن تضعك داخل الحكاية لا خارجها.
أنت لا تقرأ عن نائلة… بل تمشي معها، وهي تحاول أن تفهم: هل ما يحدث حقيقة أم كابوس؟
ولا تتابع إبراهيم بوصفه شخصية مكتوبة، بل تراه واقفًا في منتصف المسافة بين الأرض التي يخشى أن يخسرها، والحب الذي بدأ يتفلت من بين يديه.
غير أنني، وبشيء من الصراحة الملحّةِ اللائقة، شعرت أحيانًا أن الشخصيات، على صدقها، تتقدم بوصفها رموزًا أكثر منها كينونات تتعثر وتتناقض وتُخطئ.
كأن الرواية، في بعض لحظاتها، تعرف مسبقًا ما تريد من أبطالها، فتدفعهم نحوه دون أن تمنحهم المساحة الكافية ليضلّوا الطريق قليلًا… أو ليكتشفوه بأنفسهم.
أما اللغة، فهي سلسة واضحة، تميل إلى السرد الذي يُخبرك بما حدث أكثر مما يجعلك تراه يحدث أمامك.
وهنا، يتسلل سؤال صغير، لكنه مُلحّ:
هل كان يمكن لهذا الوجع أن يُكتب بمواراة وانزياحات لغوية أكبر؟
هل كان بإمكان الجملة أن تتعب أكثر، أن تتلوى وتتكسر قليلًا، أن تُشبه ما تحمله من ألم؟
لا أدري… ربما.
لكن، في المقابل، لا يمكن إنكار أن هذا الوضوح ذاته يمنح النص قابلية الوصول، ويجعله قريبًا من قارئٍ لا يبحث عن الزخرفة بقدر ما يبحث عن الحكاية.
نصل إلى المعسكر… إلى “791”.
هنا، تبدأ الرواية في كشف وجهها الأكثر قسوة: الرائحة والجثث والاكتظاظ والعجز… كل شيء مكتوب بخشونة، كأن الكلمات نفسها فقدت نعومتها.
وهنا تحديدًا، شعرت أن الرواية تقترب كثيرًا من أن تكون شيئًا آخر… شيئًا أشدّ وأعمق وأكثر بقاءً.
لكنها، لسببٍ ما، لا تمكث طويلًا بما يكفي داخل هذا الجحيم… تمرّ به وتتألم وتؤلمك، ثم تتركك تتساءل: ماذا لو بقينا هنا أكثر؟
في المحصلة، أجد نفسي أمام رواية صادقة… فالصِّدق هنا واضح وفادح أحيانًا، ومباشر إلى حدّ أنه يسبق أدواته في بعض المواضع.
هي رواية كُتبت بقلبٍ مثقل، وربما لهذا السبب تحديدًا لم تُمنح دائمًا الوقت الكافي لتتلوى لغتها بهدوء… ولكن، أليس في ذلك شيء من جمالها أيضًا؟
أليست بعض النصوص تُحب أن تظلّ قريبة من جرحها الأول، دون أن تضمّدهُ بالتشذيب وخلافِه؟!
أقول هذا، وأنا لا أضع نفسي في مقام الحكم، بل في مقام المرافق… المرافق لرواية تحاول أن تقول:
إن ما حدث لم يكن مجرد تاريخ… بل حياة كانت تمشي، ثم سُحبت من تحت قدميها الطريق.
ولعلّ القيمة الأهم لهذه الرواية، أنها لا تتركك محايدًا، فإما أن تقترب منها… أو تقترب منك… وفي الحالتين، لن تخرج منها كما دخلت.
@متابعين@إشارة

Views: 194

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى