كتاب

إضاءة على رواية “الصائل” للكاتب محمد سرسك

قراءة: عفيف قاووق – لبنان.

 رواية الصائل للكاتب الأردني محمد سرسك صدرت العام 2024م عن دار الفينيق للنشر والتوزيع. يقدم لنا الكاتب من خلالها إطلالة على مرحلة تاريخية معينة بدءًا من بداية تفكك السلطنة العثمانية ومرحلة الإستعمار أو –الإنتداب- الإنكليزي على فلسطين   إلى بدايات عمليات التغلغل الصهيوني اليهودي إليها، أي من أواخر القرن الثامن عشر ١٨٨٠م تقريبا ولغاية ١٩٢١م.
  بدهاء وحنكة يتغلغل اليهودي أبو إسحق متنكرًا بهئية البائع المتجول إلى إحدى القرى الفلسطينية بعد أن استطاع إقناع أهلها بأن وجوده في خيمته لاضرر منه، فأصبح اسمه مألوفًا في القرية، فالنّساء يجْذِبُهنَّ ما عنده من أقمشة وزينة وعطور، والرّجال وجدوا فيه مُتنَفسَّا لهم في المَساءاتِ القرويّة الطَّويلة خاصة بعد أن جذبتهم حكاياه التي كان يقصّها عليهم، إلى درجة أصبح أهلُ القرية معتادينَ على وجوده في شوارعهم وبين بيوتهم.

لاحقًـا تباينت أراء أهل القرية حول قدوم أبي إسحق إليها، وتوزعت وجهات نظرهم ما بين متوجس من قدومه ومطمئنّ له. هذا التوجس حمل رايته المدرس في القرية الأستاذ عماد الذي لمْ يكُنْ يروق له ما يسمعه حوْل أخبار أبي إسحاق أو حكاياته الكثيرة، ولمْ يكُنْ مرتاحًا لإقامته في الجِوار ولِسهْرات السَمَر التي يُقيمها، وكيف استطاع أن يكسَب ثقة الرّجال دون تكبّدهم عَناء السُّؤال عنْه، مَن هو؟ وماذا يريد؟.

 بالمقابل لم يكنْ المختارُ قلِقًا، ولم تفلحْ تساؤلات عماد في إثارة مخاوفه، فالمختار مقتنع تمامًا بأنّ الرجل لابدَّ أنّه راحل لكونه تاجر. فلا داعي للتفكيرِ كثيرًا في هذه الأمور، "نعم لقد طالت إقامتُه قليلًا، لكنْ سيأتي يومٌ ويكملُ طريقه، وترجِع الأمور إلى ما كانت عليه، فلا داعيَ للقلق". وفي موضع آخر عندما حاول عطية تنبيه المختار إلى عمليات النقش والرسومات التي يقوم بها رجال أبي إسحق قلّل المختار من هذه الهواجس وكانت ردة فعله "ما لنا وله، خلينا بحالنا أحسن".

  تبين الرواية كيف أن اليهودي –الصهيوني أبا إسحق بعد أن كسب ثقة أهل القرية بدأ بتنفيذ مخططه وتدخله في شؤون القرية من نافذة الضيق الاقتصادي الذي بدأت علاماته تقضّ مضاجع المختار وأهل قريته، هذا التدخل ظاهره الإدعاء بمساعدة الفلاحين وتزويدهم بتراكتور زراعي أما باطنه فهو الاستيطان وامتلاك الأراضي بعد إغراق أصحابها بالديون وعجزهم عن الوفاء بالتزاماتهم. نتيجة استدانتهم المال بفوائد مرتفعة فقد اضطر المختار لكي يسدد الضرائب للسلطنة العثمانية أن يلجأ لأبي إسحق ويستدين منه مبلغ  مئتي ليرة عثمانية، لكن سند الدّيْن كُتب بثلاثمئة ليرة، وبفترة سداد ثلاث سنوات.

   كما تبرز الرواية السعيّ الدائم لليهود للتخلص من عقدتهم التاريخية، وهي عدم وجود أرض لهم  لذا نراهم لا يتورعون عن تزوير التاريخ لا بل محاولة خلق تاريخ وهمي لهم  كما في محاولة أبي إسحق الإدعاء بأن الضريح الموجود في القرية قد يكون لأحد أنبيائهم منذ آلاف السنين، ويطلب أن يخصص له يومًا واحدًا فقط في السنة ليزور الضريح هو ورجاله وممارسة عبادتهم، كما تذكر الرواية كيف كان اليهود يستميتون في إختلاق أدلة وهمية تثبت أحقيتهم بهذه الأرض من خلال عمليات الحفر والتنقيب التي قاموا بها للعثور ولو على إشارة بسيطة تثبت دعواهم. ولم يتورع أبو إسحق عن الطلب من الأهالي: "أعطوني قطعة صغيرة من الأر ض، حتّى أقُيم لي بيتًا صغيرًا".

   كما تشير الرواية إلى تصميم المستوطن الصهيوني على طمس كل ما يؤكد هوية هذه الأرض العربية واقتلاع كل الجذور التي تدل على عراقتها حتى لو اضطر إلى اقتلاع الشجرة المباركة في القرية، بطلبه من عطية أن يسكب محلول سام حول جذعها لإتلافها "سأعطيك سمادًا خاصًّا لها حتى تظل نضرة ويانعة لكن هذا السماد بالذات لا تستعمله إلا في الأيام الممطرة عندما تكون الأرض مبتلة".

      يبدو أن زرع العملاء والاستفادة من دناءتهم من دعائم السياسة الصهيونية وقد ظهرت في استمالة أبي إسحق للخادم عطيّة وهو مجهول النسب، وأوكل إليه مهمة التجسس وإطلاعه على كل شاردة ووارد في القرية، وقد راق هذا الأمر لعطيّة الذي يقول: "لست صبيًّا عند المختار، لا أحد يمُنّ عليّ بعد اليوم، وسأجلس مع الرجال كواحد منهم وليس خادمًا لهم، وسأنفذ ما يطلبه مني أبو إسحق بسرية تامة، وسأخبره بأسماء جميع عائلات القرية، وأفرادها ووجهائها، وأراضي كل عائلة فيها، ومواشيهم ومحاصيلهم، وكذلك مداخل القرية ومخارجها.

  لأجل تنفيذ مخططاتهم تشير الرواية إلى تلك المجامع اليهودية التي كان اليهود يعقدون…

Views: 43

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى