مكان

مهرجان العين للكتاب…تجسيدٌ لجدوى الفعل الثقافي المستدام

بقلم: د. ضياء الجنابي/ بروكسل

في خضم عالم مبهور بالتحولات الرقمية، ومجذوب بالإيقاع السريع للحياة واستشراء الأدوات المعرفية الهائلة فيها، يبرز مهرجان العين للكتاب كعلامة مضيئة ليطبع بصمته الخاصة على صفحة الزمن، وليترك أثراً مهمّاً في طبيعة الوتيرة المتصاعدة لمسيرة التقدم والتطور التي تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال بناء منظومة معرفية ثقافية متوازنة تجمع الحداثة والأصالة وتأسس فضاءات معرفية وجمالية تعيد صياغة العلاقة بين القارئ واللغة العربية، بين الطفل ودهشة الاكتشاف الآول، بين المدينة وذاكرتها العميقة والمتطورة، بين العالم المتنوع ومعطيات الهوية الثقافية للبلد، وهذا بدوره يسهم في مؤالفة الجماليات الأدبية والإبداعية المتنوعة مع البعد المجتمعي بقيمه وتقاليده الأصيلة، في سياق يعزز قيمة الثقافة بوصفها رافعة حضارية لا استغناءعنها.

ومما لا شك فيه أن بنية مهرجان العين للكتاب الذي تتسع به الفضاءات الثقافية المتنوعة، يعد علامة فارقة في المشهد الثقافي الإماراتي، ليس بوصفه فعالية نمطية تحتفي بالكتاب وتحتفل به فحسب، بل بوصفه مشروعاً معرفياً يعمل على إعادة تشكيل علاقة المجتمع بمختلف شرائحه وفئاته العمرية بالقراءة، ويسعى إلى تطوير وتفعيل دور الكتاب في مسارات التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها الدولة، ومن خلال تحليل البنية التنظيمية لهذا المهرجان الفني والثقافي والمعرفي الاستثنائي، واستقراء برامجه المتطورة، وآثارِه المهمة الكثيرة الممتدة إلى آفاق واسعة، تتجلى أمامنا حقيقة واقعية تشير إلى أنه بحق أحد الأذرع الفاعلة في استراتيجية الثقافة الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة.

ومن أهم سمات مهرجان العين للكتاب هي الطابع الديناميكي المتحرّك والحضور المجتمعي اللافت، فهو لا يكتفي بالإطار التقليدي لمعارض الكتاب التي تقام في قاعات مغلقة، بل ينسج علاقة حية بين الفضاء الثقافي والفضاء العمراني للمدينة من خلال توزيع الأنشطة على مواقع تعليمية وتاريخية ومجتمعية، وهذه التقنية المتطورة التي من الممكن أن نطلق عليها “تفكيك مركزية الثقافة” تتيح للكتاب فرصة الحضور الفاعل على أصعدة كثيرة منها الصعيد الاجتماعي والقيمي والصعيد الاقتصادي فضلاً عن الصعيد الثقافي، كما تجعله نابضاً بالحياة على مستوى المتلقي البسيط ومستوى النشئ الجديد من الأطفال واليافعين، بالإضافة إلى مستوى النخبة والشريحة المثقفة، ومن خلال ذلك ينشأ فضاء ثقافي متعدد المناحي، يسهم في تعزيز روحية التفاعل الحيوي مع المعرفة ويقلل المسافة بين القارئ والمحتوى المعرفي.

ومن المعطيات المهمة لهذا المهرجان هو الدور الحيوي الذي يضطلع به في ترسيخ فعل القراءة باعتبارها أحد المحاور الأساسية لسياسات الثقافة الإماراتية، وبالتالي فهو أداة عملية متطورة لتفعيل هذه الرؤية، كونه يهيء بيئة تربوية نشطة يكون للأسرة فيها دور كبير في تعزيز المنظومة التربوية والتعليمية وترسيخ فعل القراءة في المجتمع، عبر ورش مختلفة، وأنشطة تفاعلية متعددة، وجلسات فكرية وفنية موجهة للأطفال والشباب والطلاب، فيساهم ذلك بشكل مباشر في حماية الهوية اللغوية وتعزيز الإبداع المحلي من خلال برنامجه اللغوي والأدبي، وتوجهه الواضح لحماية اللغة العربية وتطوير حضورها في المجتمع، وهذا هو أحد الأهداف الأساسية لمركز أبو ظبي للغة العربية الذي ينظم المهرجان.

ومن الجدير بالذكر إنّ هذا الاشتباك المباشر بين الطفل والكتاب يفضي إلى إعادة تكوين العلاقة التفاعلية التي تتجاوز الفكرة التقليدية للقراءة وفق مفهوم الواجبات المنزلية للمدرسة، إلى ممارسة حياتية حيوية، وهذا هو الهدف السامي الذي تسعى إليه معظم المشاريع الثقافية المعاصرة، فالمهرجان يقدّم منصة للكتّاب الإماراتيين، سواء في مجال الأدب بمختلف صنوفه وخصوصاً أدب الطفل ناهيك عن البحث العلمي والأكاديمي بكافة معاييره العلمية، مما يسمح بظهور جيل جديد من المبدعين القادرين على إنتاج المعرفة التي تعكس رؤيتهم للعالم، كما يأتي التركيز على اللغة العربية بوصفها مجالاً للإبداع وليس مجرد وسيلة للتواصل، ما يعزز الوعي الجمعي بأن اللغة العربية ليست إرثاً ثقافياً وموروثاً جامداً، وإنما هي كائن حي يتطور ويتفاعل مع التحولات.

أما من ناحية البعد المجتمعي والاقتصاد الثقافي، فلا يمكن بحال من الأحوال قراءة مهرجان العين للكتاب بمعزل عن مفهوم “الاقتصاد الإبداعي” الذي بات جزءاً من رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة المستقبلية، وهذ يتجلى من خلال استقطاب دور نشر عربية وعالمية جديدة، وإتاحة فضاء مفتوح لترويج الإنتاج المحلي، وإشراك مؤسسات تعليمية وثقافية إماراتية وهذه العوامل تجعل من المهرجان منصة اقتصادية إلى جانب كونه منصة معرفية، فالثقافة تتحرك ضمن منظومة إنتاج حقيقي، في صناعة الكتب وعرضها ومن ثم التفاعل معها وإعادة إنتاج أثرها الواضح اجتماعياً واقتصادياً، وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأنشطة لا تخلق قارئاً فحسب، بل تصوغ وعياً نقدياً يحوّل المعرفة من استهلاك إلى إنتاج.

إن مهرجان العين للكتاب لا يعد حدثاً ثقافياً فحسب، وليس مجرد فعالية سنوية لعرض الكتب، بل هو مشروع حضاري استراتيجي وفضاء معرفي تتعانق فيه البلاغة مع السياسات الثقافية وتتمثل قيمته الحقيقية في قدرته على إنتاج أثر متراكم يعيد تثبيت الكتاب في قلب الحياة اليومية للإماراتيين، ويخلق شبكات تواصل بين القرّاء والكتّاب، ويُعيد حضور الكتاب الورقي في زمن التحول الرقمي، ويُسهم في تقوية الرأسمال الثقافي لدى المجتمع، وهذا بدوره يزيد من مشاركات الشباب ويعمق الشراكات الأكاديمية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار استمرار المهرجان بهذا الحضور الواسع والمنوال المتصاعد، فإنه فإنه سيكون لامحالة أحد الأعمدة الرئيسة في صناعة الذائقة الإماراتية خلال العقود القادمة.

وأخيراً وليس آخراً فإن مهرجان العين للكتاب بنسخته لهذا العام 2025م والذي يقام من الرابع والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفبر الجاري إلى الثلاثين منه، برعاية الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، يتميز بطابعه المتنقل بين عدد من مواقع مدينة العين، ما يمنح الفعالية روحاً مجتمعية واسعة تتجاوز القاعات التقليدية إلى المدارس والفضاءات التاريخية والمراكز الثقافية، هذا التوزيع يعزز فكرة أن القراءة فعل يومي، وأن الكتاب جزء من حياة المدينة وليس نشاطاً نخبوياً معزولاً، كما يركز المهرجان بشكل خاص على اللغة العربية بوصفها ركيزة للهوية الثقافية، حيث تتضافر العديد من الفعاليات الموجّهة لتعزيز حضور اللغة العربية في القراءة والإبداع، وفتح حوار بين التراث والحداثة في سياق ثقافي متجدد.

Views: 112

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى