خبر

استقراء أنثروبولوجي لمعطيات ليالي الشعر في قصر المويجعي 2025م

بقلم: د. ضياء الجنابي

في قصر المويجعي، ذلك الصرح السامق المعلّق بين حنايا الرمالالذهبية والذاكرة العميقة للإنسان الإماراتي، كانت ليالي الشعرتنداح بأبهة وهيبة شاخصة، كما لو أنّها استعادة سرّية لنبض حميم،أو موعد قديم، ظلّ يتردّد في ممرّات التاريخ وحجراته المضيئة، كل شيء وادع ومطمئن هناك، حيث يجاور الضوءُ ظلالَ النخيل، وحيثتتدلّى من الجدران أنفاس القادمين من أطراف الصحراء، ليشهدوا فعاليات مهرجان العين للكتاب على إيقاع عرس لغويّ يضجّبالدهشة والانبهار، ويتقد بالجمال والصفاء.

وعبر قرون طويلة كانت الذاكرة الإماراتية ركيزة حيوية استند عليها الفهم العميق للحياة، ولم تكن بحال من الأحوال مجرد مستودع كمي للمرويات، بل شكلت على الدوام فضاءً حيّاً تأتلق فيه الفطنة والألمعية والحِكَم البليغة، وتندلق منه الأشعار والأهازيج وتتدفّق في جوانبه القصص والحكايا، ما جعلها مؤهلة لإعادة إنتاج الهوية الوطنية عبرلغة تمتد وشائجها إلى مكامن الصحراء وأعماق البحر وتفاصيل الحياة اليومية، ومن هنا تنبع أهمية الأرشفة الشفهية والتوثيقالمنهجي، لا بوصفهما مساعي حفظٍ ذات طابع تقني فحسب، بلبوصفهما مشروعاً ثقافياً مستديماً لتقوية عرى الإنسان بجذورهوأصوله، وتعزيز قدرات الموروث الثري الأصيل في حواره المفتوح معالحاضر، ومن هنا انبثقت المعطيات الإيجابية الكثيرة لفعالية ليالي الشعر في قصر المويجعي العامر.

وفي مقدمة هذه المعطيات الإيجابية هي الثقافة الشفاهية التي تعد ركيزة أساسية للهوية الوطنية، وقد تميّز المجتمع الإماراتي، منذبدايات تشكّله الحديث، بقوة الحضور الشفاهي الذي ساهم بشكل فاعل في نقل الخبرات والاستفادة من التجارب المتميزة، وقد كانللشعر وخاصة النبطي منه الكأس المعلى للحد الذي أصبح علامةالوعي اليومية، فالشاعر الإماراتي ينشد للخير والحياة، ويمدح من هو أهل للمدح، ويرثي من يستحق الرثاء، ويؤرّخ لشعبه ومجتمعه قبلوجود المؤسسات الثقافية الحديثة، وقد كان الشاعر يقوم بدور الراوي،والمُعلّم، والذاكرة التي تحفظ الناس والمجتمع من الانزلاق في أدراجالنسيان.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الشفاهية ليست بقايا زمن مضىوانقضت موجباته، بل هي بنية ثقافية أساسية، فحين يتداول الناسقصيدة ما، أو حين يعيدون سرد حادثة معينة نظم فيها شاعر ما أبياتاً، فإنما هم لا يحفظون كلمات بلاغية فقط، بل يعيدون إنتاجرؤيتهم للعالم، حيث أن اللغة الحيّة ليست وسيلة تواصل بين الناس،بل هي منظور فكريّ مقرون بأبعاد روحيّة، فالأرشفة هنا ليستمجرد عملية تقنية فحسب، بل هي استعادة لمسار التحول الثقافي،لأن كل قصيدة قديمة تحفظ طريقة ومنهج في التفكير والتأملبمقدار ما تحفظه من اللغة والإيقاع والصور.

ومما لا شك فيه أن الأرشفة الشفهية تعد مشروعاً سردياً لحمايةالذاكرة، لذلك نجد أن جهود الأرشفة الشفهية في دولة الإماراتالعربية المتحدة التي تقوم بها المراكز الثقافية والمؤسسات التراثيةوفي مقدمتها مركز أبو ظبي للغة العربية، تتجاوز جمع التسجيلاتوالصور، إلى مستوى أعلى وأهم وهو إعادة ترتيب الذاكرة وفق رؤيةجديدة حصيفة تجعل من الماضي محركاً لفهم الحاضر واستشراف صورة المستقبل الوضاء، ومن التراث مادة للمعرفة والدراية، وليس اجتراراً للحكايا والأقاصيص وحسب، فحين يتم تسجيل قصيدةقديمة كان الشاعر يلقيها بشكل شفاهي في مجلس معين، أو حينيتم تدوين سيرة شاعر من شعراء البحر والبر، فإن عملية التوثيقتحوّل المرويّ إلى نص قابل للدراسة والبحث والتحليل، وهكذا يتحولالتراث الشفهي من حالة عابرة إلى وثيقة ثقافية تقوم برسم خارطة تطور المجتمع الإماراتي الناهض.

ولا نغالي إذا قلنا أن الشعر الإماراتي هو المرآة الصافية للتحوّلاتالاجتماعية، ومن هنا فقد وثّق الشعر الإماراتي النبطي منه والفصيح لحظات التحوّل الكبرى التي شهدتها البلاد من اقتصادالبحر والغوص للبحث عن اللؤلؤ إلى اقتصاد المدينة والدولة الحديثة،ومن المساكن الطينية المتناثرة إلى الأبراج الحديثة الشاهقة والبنىالمؤسسية الرصينة، ومن ثم التحول الأهم الذي هو الانتقال بالوجدانالقبلي إلى الوجدان الوطني، ومن المهم ذكره أن القصائد القديمةالتي تتحدّث عن البحر والمراكب والرحلات والغوص تعد نصوصاًتظهر كيف كان الإنسان جديراً بمقاومة الطبيعة والاحتفاء بها في آنٍواحد، بينما تكشف القصائد الحديثة تطوراً في الوعي، حيثتتصاعد موضوعات الانتماء الوطني، وبناء المدينة، وحضور الإنسانالإماراتي في القطاعات العلمية والمعرفية المختلفة.

ومن جميل ما يشار إليه أن التوثيق هو بناء جسر ذهبي بين الأجيال، لأن من أهم أدوار الأرشفة الشفهية أنها تمنح النشئ الجديد والجيلالحاضر والأجيال اللاحقة قدرة على الإصغاء إلى زمن لم يعودواقادرين على الاستماع إليه، أو رؤيته بشكل مباشر، فحين يستمعالشاب الإماراتي اليوم إلى تسجيل لشاعر من جيل الثلاثينات أوجيل الأربعينات، فهو لا يتعرف إلى الكلمات فقط، بل يتعرف إلىالإيقاع النفسي لجيل سجل حضوره بوقت سابق، فيتحسس تطلعاته، همومه، مخاوفه، أفراحه، آماله، رؤيته لأرضه وعلاقتهبالطبيعة والقبيلة وما إلى ذلك، وبهذا المعنى، تتحول الأرشفة إلىجسر ثقافي يصل بين زمنين، ويخلق شعوراً بالاستمرارية والديمومة،وهو شعور يعدّ أحد أهم مكونات الهوية الوطنية.

وخلاصة القول أن أهم معطى من معطيات ليالي الشعر في قصر المويجعي في نسخته لعام 2025م هو ارتباطه بشكل وثيق بأهميةالشعر عند العرب، وهذه الوشيجة المتأصلة النابضة بين دخيلةالإنسان العربي والشعر ليست مرتبطة بعصر معين أو بمرحلةتاريخية بعينها، بل هي مرتبطة بالحاجة الدائمة للإنسان إلىالمعنى العميق للحياة بكل مناحيها، وإلى لغة تتسع للعاطفة والمعرفةمعاً، فالشعر ليس مجرد فن، بل هو شكل من أشكال الوجود، وجوديتوهّج بالكلمة ويستمر بها، ومن خلال هذه الرؤية يبقى الشعر ذلكالضوء الباهر الذي يمنح الحياة قابلية للفهم، وقابلية للصبر، وقابليةللاستمرار.

Views: 95

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى