نص

الأب حضور…لاغياب!!!

بقلم د.ريما فهد الشهوان
تتسكّع المعاني خجلى على أعتاب مقام الأب، ذاك الكيان الذي يتجاوز حدود الوصف، فلا يُختصر الأب ووجوده في صلة رحم، ولا يُحدّ بلقب عابر، بل هو المبتدأ الذي لولاه لظلّت جملة الوجود ناقصة بلا خبر. الأب هو الشمس التي لا تعرف الأفول في سماء اليقين، والظل الظليل الذي يمتد ليستر مخاوف الصغار، فوجوده أكثر من مجرّد عائل يشيّد سياجًا، بل بوصلة مضبوطة على نبض الحقيقة، ويد كلما ارتجفت الأرض من تحتنا أحالت القلق طمأنينة، والشك يقينًا.
فالأب هو ذاك الحضور الذي يملأ زوايا البيت هيبة ممزوجة بالعطف، ويجعل من جدرانه الصمّاء صدرًا حانيًا يتسع لخيبات الحياة، فكيف لقلب هو الوتد أن يميل، وكيف لسند أن يغيب، إلا إذا تحوّل الحضور إلى غياب صامت يتسلل إلى الداخل دون أن يترك أثرًا ملموسًا إلا في صدور الأبناء، ويصبح الفراغ ملموسًا في تفاصيل الحياة اليومية، في صحن الفطور الفارغ، في صمت الهاتف، في مكانه الذي بقي بلا ظل، وفي كل ضحكة لم تعد مكتملة.
غير أن الواقع يكشف أحيانًا عن ندوب موجعة، حين يتحول هذا الوتد إلى ظل، ويغدو الحضور مجرد وجود جسدي يفتقر إلى دفء الشعور. فأقسى أنواع اليتم ليس فقد الأب بالموت، بل ذلك “اليتم المقنّع” في ظل أب حاضر بالجسد، غائب بالروح، انكفأ على ذاته أو غرق في دوّامة المادة، ظانًا أن الأبوة التزام مالي يعوّض غياب المشاعر، وهذا الغياب النفسي والعاطفي والمادي يترك أثرًا عميقًا في ذاكرة الأبناء، فجوات لا يملؤها ندم متأخر، ويبقى كل قلب يتساءل عن حاجته لحماية أبوية في وقت الشدة.
فلم يعد هذا الغياب حالة نادرة أو استثناءً مؤلمًا، بل أصبح مشهدًا يتكرّر في بيوت كثيرة، بأشكال متعددة، كأبٍ غائبٍ بجسده، وآخر حاضرٌ بلا اهتمام يختزل الأبوة في نفقة تُدفع، ويترك تربية أبنائه للفراغ، فكل هذا الغياب لا يُحدث ضجيجًا فورًا، لكنه يعمل ببطء، يتراكم في الداخل، ويظهر لاحقًا في هشاشة العلاقات، واضطراب القرارات، وفقدان الشعور بالأمان حين يكبر الأبناء وهم يبحثون في العالم عن سند كان يفترض أن يكون أقرب الناس إليهم. هذا النمط من الغياب لا يؤثر على الفرد فقط، بل يمتد أثره إلى المجتمع ككل، إذ يولّد أجيالًا أكثر هشاشة في التفاعل الاجتماعي، أقل قدرة على اتخاذ القرارات بثقة، وأكثر تأثرًا بالضغوط النفسية والمالية، ما يعكس أن الأبوة ليست مجرد علاقة فردية، بل حجر الأساس في تكوين المواطنة والمسؤولية الاجتماعية.
وترميم هذا الخلل يبدأ حين يتخلى الأب عن قسوة السلطة، ويتقدم نحو شراكة واعية، يستبدل فيها الصمت بالحوار، والزجر بالاحتواء، ويجعل من وقته قيمة حقيقية لا هامشًا مؤجلًا، مدركًا أن التخلّي عن المسؤولية لا يعني تقصيرًا فقط، بل مساسًا بأساس تكوين الإنسان. ويبلغ الحضور الأبوي ذروته حين يستقيم الرباط بين الأب والأم على الاحترام والمودة، فتتحول العلاقة المتوازنة بين الوالدين إلى بيت آمن يمنح الأبناء درسًا عمليًا في الحب لا يحتاج إلى شرح، فالطفل لا يتعلّم المودة من النصائح، بل يلتقطها من نظرة تقدير، ومن طريقة حديث، ومن احترام متبادل.
فحين يرى الابن والده يكرم أمه، يتشكل وعيه على معنى الرجولة المسؤولة، وحين ترى الابنة أباها يحترم عقل أمها، تنمو بداخلها ثقة تحميها من الانكسار، فاستقرار الأسرة لا تصنعه الوفرة المادية، بل الانسجام الإنساني الذي يحوّل الخلافات إلى محطات عابرة لا تهدد الجوهر، ويتعلّم الأبناء أن الحب والاحترام لا يُكتسبان إلا بالحضور الحقيقي.
في الحقيقة فثمّة تفاصيل صغيرة لا تُقاس، لكنها تصنع الفارق كله، يد أب تُشدّ في عبور الطريق، نظرة اطمئنان تُلقى دون كلام، حضور صامت في أول فشل وأول خوف، فالأب لا يُختبر فقط في لحظات النجاح، بل في تلك اللحظات الهشّة التي يتعثّر فيها الأبناء ولا يطلبون شيئًا سوى أن يشعروا بأن هناك من يقف خلفهم، وكثيرون كبروا وهم يحملون شهاداتهم في أيديهم، وفراغ الأب في صدورهم، لأن أحدًا لم يكن هناك حين احتاجوا كلمة واحدة تقول، أنا معك مهما حدث.
فهذه المشاعر الصغيرة هي القاعدة التي يُبنى عليها شعور الأبناء بالأمان النفسي، وفقدانها يخلق فجوة لا تعوض بسهولة، ما يجعل بعض الأبناء أكثر عرضة للبحث عن الملاذ خارج الأسرة، سواء في العلاقات المبكرة أو الاعتماد على مؤسسات الدعم النفسي والاجتماعي، وهو مؤشر على أن الأبوة ليست رفاهية بل أولوية تربوية ومجتمعية، والقلوب التي تحمل فقدًا تترجم الفراغ بصمت طويل، تبحث عن حضن كان من المفترض أن يدفئها ويهديها الأمان.
الأبوة في معناها العميق مسؤولية تربوية وأخلاقية، تتجاوز توفير المعيشة إلى صناعة المعنى، فهي حضور يضع الحدود بالقدوة لا بالقهر، ويغرس القيم بالفعل لا بالشعارات، والأب الحقيقي يوازن بين الحزم والرحمة، يعلّم ابنه صلابة الموقف دون قسوة، ويمنح ابنته أمانًا يجعلها واثقة لا متوجسة، لأنه كان لها سندًا لا عبئًا، ووطنًا لا محطة عابرة.
وفي الخلاصة، هي رسالة واضحة لكل أب، الأيام تمضي سريعًا، والأبناء أمانة لا تُستعاد، إمّا أن تكون حضورًا يصنع ذاكرة دافئة يمتد أثرها مع الزمن، أو فراغًا يترك ندوبًا لا تُرى بسهولة، فلا تكن حاضرًا بالشكل وغائبًا بالمعنى، ولا تمتلك القدرة على الكلام وتختار الصمت، بل كن قريبًا من أبنائك، مشاركًا لهمومهم وأحلامهم، ومتّكئاً مع شريكة دربك على مودة صادقة، فكلنا راع وكلٌ مسؤول عن رعيته، والحياة بلا أب حاضر علاقة ناقصة، والأبوة الحقيقية هي تلك التي تجعل الاسم ذكرى طيبة، وأثرًا باقيًا، وقيمة تُحكى ولا تُنسى، ولتكن حياتك معهم لحظة مستمرة من الأمان، ولتظل يدك وعيونك وقلوبهم هي الحضن الذي لا يترك أحدًا يسقط في الفراغ مهما تعثرت الخطى، حتى من فقد الأب لا يشعر أنه بلا وطن في قلب من أحبهم واعتنى بهم.

Views: 85

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى