كتاب

من الذاكرة إلى المتن الروائي: كيف تشكّل «رواية لصوص الآثار» رؤيتنا للماضي؟


صفاء الحطاب

——————-
رواية “لصوص الآثار” وُلدت من تماسٍّ بين الشغف بالتراث، والدهشة أمام التاريخ، والقلق من هشاشة الذاكرة حين تتعرض للسرقة أو التشويه أو النسيان.

لقد جاءت فكرة الرواية من تلك المنطقة المعلّقة بين الحلم والمسؤولية؛ لحظةٍ تساءلتُ فيها:
ماذا يحدث للتاريخ حين يصبح مسرحًا للأطماع؟
وماذا يحدث للإنسان حين يدخل دهاليز الماضي باحثًا عن الحقيقة، فيجد نفسه أمام مرايا تكشفه أكثر مما تكشف الحجر؟

في «لصوص الآثار» أردتُ أن أقدّم رؤية سردية تقول إن التاريخ ليس مجرد أرشيف، ولا الحجارة مجرد شواهد، بل ذاكرة حيّة تتنفس فينا، وتعيد تشكيل وعينا وهويتنا وموقعنا في هذا العالم.
وأردت أن أضع القارئ أمام السؤال الأخلاقي الذي يرافق كل أثر:
هل نحن أوصياء على الماضي، أم شركاء في مستقبله؟

حينَ بَدَأْتُ كِتابةَ روايةِ لصوصِ الآثارِ، كُنتُ واعيَةً بأنّني أقتربُ مِنْ حقلٍ سرديٍّ يَختلطُ فيهِ التَّاريخُ بِالأسطورةِ، وَالواقعُ بِالمَنْسِيِّ، وَالإنسانيُّ بِالمعرفيِّ.
لَمْ تَكُنِ الرِّوايةُ بالنِّسبةِ إلَيَّ مَشروعًا حِكائيًّا فَحَسْب، بَلْ مَحاولةً لِإعادةِ تَفكيكِ عَلاقتِنا بِالتراثِ بوَصْفِهِ ذاكرةً حَيّةً أَكثَرَ مِنْهُ ماضِيًا جامِدًا، وَكَمَجالٍ تَتَصارَعُ حَوْلَهُ السَّرديّاتُ، الرَّسميةُ مِنْها وَالشَّعبيّةُ، بِما تَحْمِلُهُ كُلُّ سَرديةٍ مِنْ قُوّةٍ وَموقعٍ وَتَأويل.

اِنْبَثَقَتِ الفِكرةُ مِنْ سُؤالٍ ظَلَّ يُلِحُّ عَلَيَّ:
مَنْ يَمْلِكُ رِوايةَ الماضي؟ وَمَنْ يَكْتُبُ نِهاياتِ الذاكرةِ حينَ تَتَعَرَّضُ لِلنَّهْبِ المادّيِّ وَالمعنويِّ مَعًا؟
وَمَعَ هذا السُّؤالِ اِنْفَتَحَتْ أَمامي مِساحةٌ سرديّةٌ واسِعةٌ كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُطَوِّعَ فيها المَعرِفةَ وَالخِبرةَ الإنسانِيّةَ لِتَكوينِ عالَمٍ تَتَقاطَعُ فيهِ الأخلاقُ مَعَ الرَّغبةِ، وَالانتماءُ مَعَ الضَّرورةِ، وَالبحثُ عَنِ الحقيقةِ مَعَ غِوايةِ الثَّراءِ وَالسُّلطة.

وفي أَثناءِ الكِتابةِ اكتَشَفتُ أَنَّ “اللُّصوصَ” في الرِّوايةِ لَيْسُوا مُجرَّدَ شَخصيّاتٍ تَتَحرَّكُ في سوقِ الآثارِ، بَلْ تَمثيلاتٌ رَمزيّةٌ لِأشكالٍ مُتعدِّدةٍ مِنَ الاسْتِحواذِ:
اسْتِحواذٌ عَلَى الحَجرِ،
وَاسْتِحواذٌ عَلَى الحِكايةِ،
وَاسْتِحواذٌ عَلَى الذاكرةِ نَفْسِها.
لِذَلِكَ جاءَتِ الرِّوايةُ مِساحةً لِمُساءلةِ أَشكالِ السَّردِ الَّتي نُنتِجُها عَنْ تَاريخِنا—كَيْفَ تُصنَعُ، وَمَنْ يُصنِعُها، وَكَيْفَ يُمكِنُ لِلخَيالِ أَنْ يَفتَحَ مَنافِذَ جَديدةً لِقِراءةِ ما أُغْلِقَ أَوْ ما أُسكِتَ عَنه.

كانَ التَّحدِّي الأَكبَرُ هو الحِفاظُ عَلَى التَّوازُنِ بَيْنَ المَعرِفةِ العِلميةِ المُتَّصلةِ بِعالَمِ الآثارِ، وَبَيْنَ الحِسِّ الإنسانِيِّ الَّذي يُمْنِحُ الشَّخصيّاتِ عُمقَها وَصِدقيَّتَها.
سَعَيْتُ إِلَى بِنَاءِ نَصٍّ يَشتبِكُ مَعَ الوَاقِعِ دُونَ أَنْ يَفقِدَ شِعريّتَهُ، وَيَتَّكِئَ عَلَى التَّاريخِ دُونَ أَنْ يَتَحوَّلَ إِلَى خِطابٍ تَوثيقيٍّ، وَيَنفتِحَ عَلَى الخَيالِ دُونَ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنِ السِّياقِ الثَّقافيِّ وَالجُغرافيِّ الَّذي يَتَنَفَّسُ مِنه.

كانت تَجرِبتي في كِتابةِ لصوصِ الآثارِ رِحلَةَ تَنقيبٍ مِنْ نَوعٍ آخَرَ؛
تَنقيبًا في الوَعي، وَفي طَبقاتِ النَّفسِ البشريّةِ، وَفي الأَسئلةِ الَّتي ما زالَتْ تَبحَثُ عَنْ إِجابات:
كَيْفَ نَتَعامَلُ مَعَ إِرْثٍ في عالَمٍ سَريعِ الِاسْتِهلاك؟
كَيْفَ نَحمي الذاكرةَ مِنْ أَشكالِ النَّهْبِ الَّتي لا تُرى؟
وَكَيْفَ نُعيدُ لِلسَّردِ وَظيفتَهُ الأَعْمقَ: إِضاءةَ المَناطِقِ الَّتي يَختَبِئُ فيها الإنسانُ وَهوَ يُواجِهُ ضَعفَهُ وَشَرْطَهُ الوُجوديَّ؟

أَرَدتُ لِلرِّوايةِ أَنْ تُقَدِّمَ مِساحةً تُعيدُ الاعتبارَ لِلإنسانِ داخِلَ الحِكايةِ، وَأَنْ تَقترِحَ رُؤيةً سرديّةً جديدةً لِلتُّراثِ، بِاعتِبارِهِ تَاريخًا يُعادُ تَشكيلُهُ باستِمرارٍ، لا مادّةً مُغلَقةً عَلَى الماضي.

وقد يكون من حسن الطالع أن تتزامن مناقشة هذه الرواية مع لحظة ثقافية عالمية تتمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، ذلك الصرح الذي يعيد تقديم حضارةٍ كاملة بلغة معاصرة.
وهذا التزامن ليس شكليًا؛ فكما يكشف المتحف عن روائعٍ خرجت من قلب الأرض، تكشف الرواية الجانب الآخر من القصة:
قصص الآثار التي كادت تُنهَب، والذاكرة التي قاومت الاختفاء، والمعارك الصامتة التي خاضها حراس الحقيقة في مواجهة سارقيها.

إن افتتاح المتحف الكبير ليس حدثًا معماريًا فقط، بل إعلانٌ رمزي عن استعادة الحق في الحكاية، وعن إعادة ترتيب العلاقة بين الأثر ومن يحفظه.
وهنا تتقاطع الرواية مع هذا الحدث:
فهي تُذكّر بأن حماية التراث ليست فعلاً مؤسسيًا فقط، بل مسؤولية أخلاقية وثقافية تبدأ من الإنسان نفسه، من وعيه بما يملكه، ومن إدراكه أن ما ورثناه عن أجدادنا ليس كنوزًا فحسب، بل بوصلة هوية.

بهذا الربط، تصبح «لصوص الآثار» جزءًا من أسئلة الحاضر:
كيف نحمي سرديتنا الوطنية؟
كيف نصون ذاكرتنا من التحريف والسرقة؟
وهل نستطيع أن نكون جسرًا أمينًا بين الماضي الذي ورثناه والمستقبل الذي نمنحه هذا الإرث

وقد تكون فكرة مناقشة عمل سردي يحمل محتوىً معرفيا مرتبطا بالتاريخ والذاكرة الوطنية هي نقطة يلتقي فيها السرد بالفكر، والحكاية بالمسؤولية، والكلمة بقدرتها على إعادة تشكيل وعينا بأنفسنا وبعالمنا.
ويمنح الرواية فضاءً حواريا عميقا، ويهبها حياة ثانية، ويضعها في سياقها الثقافي الأوسع؛ سياق يعترف بقيمة الحكاية وبقوة السرد في مواجهة النسيان.

ويعيد الاعتبارِ لِلإنسانِ داخِلَ الحِكايةِ، ويفتح المَجالِ أَمامَ قارئٍ مُعاصِرٍ يُواجِهُ أَسئلةَ الهُوِيّةِ، وَالذاكرةِ، وَالحَقِّ في رِوايةِ الماضي.
ويفعل دورِ الأَدَبِ في حِمايةِ التُّراثِ، وَفي إِعادةِ قِراءةِ سَرديّاتِنا العَرَبيّةِ بَعيدًا عَنِ اليَقينيّاتِ المُغلَقةِ، وَبِمَنهَجٍ يُمْنِحُ الخَيالَ مَكانَتَهُ، وَالإنسانَ مَركَزَهُ، وَالحِكايةَ صَوْتَها الحُرَّ!

Views: 23

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى