كتاب

أخلاقيات العلم في عصر التحولات الكبرى

ذات

العالم اليوم، هو عالم التحولات العميقة والكبرى ..

لأننا نؤمن أساساً أن “العلم ليس استعدادا للحياة، بل إنه الحياة ذاتها” فإن الحاجة لتصورات حقيقية حول تحولاته تبدو ماسة وضرورية للغاية، فقد تحول العصر تدريجياً، وهو في أوج عظمته العلمية إلى ( ماكينة تلاحظ الحقائق وتطحن التفسيرات ) كما يقول داروين، أصبحنا نتوقف عند حدود الاهتمام بالتفسيرات دون التقدم خطوات إلى الأمام لتحقيق نموذج فريد من التطبيق العملي للعلم والمعرفة، وأهم خصائص الحالة التطبيقية للعلم عموماً هي ( الأخلاقيات )، باعتبارها القيمة التي تشكل الغاية والهدف من كل مفاهيمنا وتصوراتنا وقناعاتنا.

لفتني كتاب ( أخلاقيات العلم ) لمؤلفه ديفيد رزنيك، الصادر عن سلسلة عالم المعرفة بترجمة الدكتور عبد النور عبد المنعم ومراجعة الدكتورة يمنى طريف الخولي، لما تضمنه من تحليل عميق وقراءات دقيقة وشاملة لمسألة الأخلاقيات العلمية، وللنتائج الكارثية لافتقار العلم إلى معيار وقيمة الأخلاقيات، سواء من قبيل اهتمام بعض العلماء بالعلم كمهنة، أو بأثر التربية في تشكيل السلوك الأخلاقي، وهما عاملان مساهمان في الانحراف الأخلاقي للعلم بحسب المؤلف.

ومن أجمل وأعمق ما تضمنه الكتاب قول رزنيك (إن الدراسات والمناقشات الأخلاقية يمكن أن تثار في العلم، لأن العلم نشاط تعاوني يحدث داخل سياق سياسي واجتماعي أكبر. إن العلماء لا يمكن لهم الهرب من المعضلات والمسائل الأخلاقية التي يمكن لها أن تنشأ في المسالك الأخرى للحياة، لذا فإن العلم الوضعي البحت أسطورةٌ خلَّدها هؤلاء الذين يفرون من التساؤلات الضبابية والخلافية المحيرة ) (ص 18-19)، واضعاً أساساً لقناعة بأن العلم يجب أن يبني أهدافه ومنطلقاته على قيم أخلاقية راسخة في كل مسائل الحياة الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي قناعة راسخة وحقيقية، إذ إنه لا قيمة للأعمال – كل الأعمال – إن لم تحقق غاياتها وفقاً لمنهجية أخلاقية، وإن لم تكن غاياتها أساساً أخلاقية، ومركزاً أيضاً على أن معايير السلوك الأخلاقي في العلم يجب أن تدور في إطار ترابط مفاهيم ديناميكية أهمها الأمانة والحرية والتقدير والتعليم والمسؤولية الاجتماعية والمشروعية وتكافؤ الفرص والفعالية واحترام الذات.

منذ بداية القرن الواحد والعشرين أخذ الطلب على العمليات الأكثر أخلاقية في مجال الأعمال والإجراءات المعروفة باسم (الأخلاقيات ) بالازدياد، طرديا مع حجم التقدم والتطور العلمي، وفيما يتعلق بالأخلاقيات كفرع أكاديمي وبحسب الدراسات فقد ظهرت أخلاقيات الأعمال في مجال الأكاديميات في سبعينيات القرن الماضي.

الواقع كما يذكر مؤلف أخلاقيات العلم، (أن التعليم أهم أداة لضمان سلامة العلم، وما لم ندرِّس للعلماء معايير معينة للسلوك فليس من المحتمل أن يتعلَّموها )، علينا أن نعي عصر التحولات الكبرى بكل تقاطعاته وتداخلات قطاعاته، وأن نعيد إنتاج قيمنا العلمية والتعليمية بما يضمن لنا سلامة حاضرنا ومستقبلنا وأجيالنا.

Views: 107

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى